اقتحمت حياتي اسماء المصري
خلت الأجواء من مظاهر الاحتفال، فالفقيد غالي وعزيز على الجميع.
وأما السيدات من عائلة الحديدي فقد وقفن بداخل الغرفة المخصصة ل سليم وأخذن بتزيينها وترتيب ملابس العروس بال أدراج وداخل خزانة الملابس، وبدأن بوضع المفروشات على الفراش وقمن بتغيير الستائر للون أفتح، ولكن والدة قمر تعجبت فخزانة الملابس الخاصة بسليم فارغة تماماً ولا يوجد بها أي ثياب، فخرجت تستدعي فاطمة زوجة فرج ورددت بحيرة
أنى مش لاقية خلجات العريس يا ست فاطنة... أمال هي فين؟
أجابتها بتقوس فمها وهي تظهر كرهها لتلك العائلة
خلصو انتو بس وإخواته البنات حيرصو الخلجات چوه.
أومأت والدة قمر وعادت داخل الغرفة حتى انتهين من التوضيب، وخرجن لتردد والدة قمر
يلا يا بنات عشان نعاود، هتلاقي جمر خلصت مع البت الحفافة متخصصة التزيين.
اتجهن برفقة جابر أخاها الأكبر لأخذها والذهاب بها لقصر الراوي، فخرجت وهي حزينة تشعر بالانكسار، وكأنها تساق لحتفها.
أما بداخل حديقة قصر الراوي، وقف سليم وهو يرتدي جلباباً أبيض يزينه بعباءة بيضاء مرصعة بخيوط ذهبية ووضع عمامة رأسه، وكان أخوه الأكبر سليمان يقف بجواره وحولهما جمع عائلة الراوي.
دلف القصر بعض كبار عائلات البلدة مثل عائلة الحفني التي كانت طرفاً أساسياً في الصلح، وأيضاً رجال الأمن ولواءات الشرطة، فهرع سليم وفرج يستقبلونهم بترحاب شديد.
بعد لحظات حضرت العربة التي يجرها جواد أبيض بداخلها العروس وهي ترتدي زياً أبيض واسعاً وتغطي رأسها ووجهها بوشاح كبير. حاولت والدتها أن تطلق زغروطة فرحة، ولكن أوقفتها يد فاطمة على الفور تهتف بغل
نسيتي الأصول ولا إيه يا أم چابر؟ أنا ولدي لساته متمش السنة عاد!
اعتذرت الأخيرة منها بحرج
متاخدنيش يا أختي... الفرحة نستني والله، حجك عليا.
بعد تناول الأطعمة، جلس مدير الأمن يربت على كتف سليم ويردد بمباركة
ألف مبروك يا سليم... أنا مش حوصيك إن الصلح ده في إيدك أنت، أنا عارف إنك متعلم ومخك كبير، وأكيد فاهم كويس إن الصلح ده في مصلحتكم قبل ما يكون في مصلحة عيلة الحديدي.
أجابه بالموافقة
طبعا يا سيادة اللوا... متقلقش، أنا فاهم كويس.
انفض الجمع وخلا القصر إلا من قاطنيه، فصعد كلٌ إلى غرفته، وجلس سليم بالبهو يدخن سجائره وهو يهز قدمه بحتة وغضب. اقترب منه أخوه الأكبر سليمان وربت على فخذه يررد بصوت هامس
إيه يا اخوي... كيفك؟
أجابه باقتضاب
زي ما انت واعي أهه.
سحب سليمان نفساً عميقاً ونظر لأخيه الأصغر بحديث هادئ
إني عارف إننا طول عمرنا بنتعامل معاك على إنك غريب وسطنا يا خوي... بس إذا كان المثل بيجول أنا وأخوي على ولد عمي، يبجى أولى بيا إني أكون سندك وظهرك بما إني الكبير دلوجت. انت مش غريب يا سليم... انت أخوي وحتفضل أخوي، عايزك متحسش إنك لوحدك.
ابتسم سليم وردد
ربنا يخليك ليا يا خوي.
ربت على كتفه وأكمل سليمان بنبرة جادة
البت دي حتعيش وسطنا، يعني بصريح العباره كدة حتبجى عارفة أسرارنا، ولو ماخدتهاش تحت طوعك حتكون المسمار اللي اندق في نعش دارنا. اسمع مني... البت لازمن تحبك ومتشوفش في الدنيا دي غيرك، عشان يوم ما تنحط ما بين إنها تختارك أو تختار أهلها، تختارك انت يا اخوي. فكر في العيلة والصلح وانت تعرف إن كل اللي بجوله ده في مصلحتنا.
أومأ سليم برأسه ووقف يهندم ملابسه وردد بقوة
متشغلش بالك يا خوي... إني قدها وقدود.
في غرفة سليم
جلست قمر منتظرة صعوده، وطال الانتظار بعد أن هدأت أجواء القصر، فتأكدت من خلوه من المعازيم وبكت على حظها، فهي تعرف عزوفه عنها بدليل أنه لم يطلب رؤيتها ولا مرة قبل الزواج.
ظلت تنتظره حتى سمعت الباب يفتح، ليسعل سليم بصوت خشن حتى تنتبه لوجوده وردد
يا رب يا ساتر.
دلف الغرفة وظلت هي واقفة مكانها تطرق رأسها تنظر إلى الأرض، بينما تحرك هو في الغرفة يضع بعض أغراضه. جلس على الأريكة بصلابة، ثم هتف بصوت أجهدته المشاعر المتباينة
تعالي قلعيني المركوب الحذاء.
اقتربت منه وساعدته في خلع حذائه، فوضع سليم يده أسفل ذقنها ورفع وجهها حتى تنظر له، فنظر لوجهها الرقيق وهتف
اسم على مسمى يا جمر... صدق اللي سماكي.
خجلت وأطرقت رأسها، فهتف هادئاً
إني حدخل اتسبح على ما تغيري خلجاتك.
تحركت قمر لترتدي ملابس منزلية بسيطة وجلست على طرف الفراش بتوتر، حتى خرج سليم يرتدي جلباباً فضفاضاً وسرعان ما لاحظ ارتباكها ورجفتها، فاقترب وجلس بجوارها، ثم رفع وجهها لينظر في عينها وقال بجدية
شوفى يا بت الناس، إني جبل ما أبدء معاكي حياتنا لازمن تعرفي كام حاچة مهمة؛ أولها إن اللي بيني وبينك ما يخرجش برة، فهماني؟ وتاني حاچة، إني حراعي ربنا فيكي، بس عاوزك تحفظي سر البيت اللي انتي حتعيشي فيه وتحاولي تخليهم يحبوكي، ومتزعليش لو اتعاملوا معاكي في الأول بطريجة عفشة سيئة.
هزت رأسها ببسمة مرتسمة، فأكد حديثه
انتي خابرة إن اللي بينا تار ودم ومش بالساهل أهل الدار هيجبلوكي، فعايز بالك يبجى طويل هبابة.
ابتلعت لعابها برهبة وخوف، فنظر لها متفهماً وقبل رأسها بهدوء ليطمئنها، وعندما شعر بتهيبها الشديد، قال بوقار
ماشي... هسيبك براحتك لحد ما تاخدي على المكان.
في القاهرة، جلست جنه تحرك قدمها بعصبية، بينما ياسر يجلس أمامها يعتذر منها
أسف بقى متكبريهاش يا جنه، وبعدين ما انتي قفلتي السكة في وشي وأنا أهو اللي بصالحك!
زفرت بضيق فرددت بححدة
طيب خلاص حصل خير... روح شوف شغلك مش عايزة أعطلك أكتر من كده.
ابتسم ياسر وردد
أنا لما بكون معاكي مش بحس بالوقت. اه صحيح، نسيت أقولك أنا أخدت إجازة وجاي معاكي روما، بس ملقتش حجز في نفس يوم سفرك فححصلك بعدها بيوم.
نظرت له بسخرية وغضب ورددت بضيق
وانت جاي معانا بصفتك إيه؟ أنا وراتشيل وجينفر أصحاب، وجاك رايح مع أصحابه، انت حتكون إيه صفتك؟ حارس شخصي مثلاً؟ ولا جاي تراقبني؟
تلعثم وقال
أنا مكنتش فاكر كده... كل الحكاية خفت تسافري لوحدك و...
قاطعته بضيق
أنا مش صغيرة وممش محتاجة حماية، وبطل تعمل عليا حصار لأنك لسه مبقتش جوزي! وحتى لو ده حصل برضه حفضل ليا شخصيتي ومش حسمح لحد إنه يلغيها.
نظر لها بضيق وردد بحزن
انتي ليه كده؟ كل ما أحاول أقرب منك تبعديني بأسوء طريقة!
أجابته ببرود
يا ياسر أنا مشكلتي مش معاك انت بالذات صدقني، أنا فعلاً مش حابة مواضيع الحب والارتباط والجواز... خطوبتنا بس عشان أرضي بابي، وعامة لو حابب نفضل مخطوبين كده إلى ما لا نهاية فانت حر.
انصرف ياسر بغضب شديد ودلف سيارته يوبخ نفسه على تحمله، أما جنه فجلست تكتب ما تحتاج شراءه لسفرتها إلى روما دون أي ندم، تفكر فقط في هروبها من قيود والدها وذكرياتها.
مرت أيام، وسليم يعامل قمر بهدوء واهتمام متزن، يحاول احتواءها وتأمين وجودها في المنزل.
وفي بهو القصر، دلفت والدة قمر ومعها إخوتها وزوجات أبنائها يحملن الهدايا بمناسبة مرور أسبوع على الزواج. وقفت حريم عائلة الحديدي في انتظار الترحيب، لكن فاطمة رفضت استقبالهن وتركت الخدم يقومون بذلك.
تضايق سليمان من تصرف والدته وجعل زوجته تخرج لاستقبالهن، ثم صعد لغرفة أخيه ليخبره بوجودهن.
عندما صعد سليم واستقبل القادمين بترحاب، دخلت قمر تسلم على والدتها وقبلت نساء العائلة. ربتت والدتها على فخذها
كيفك يا بتي؟ إن شاء الله تكوني بخير؟
أومأت قمر بخجل
أيوه يامه، طيب وحنين جوي جوي.
رحب سليم بالحضور بابتسامة
يا أهلاً وسهلاً نورتوا الدار.
فقالت والدة قمر
ربنا يخليك ويبارك فيك يا ولدي... خلي بالك على جمر عاد.
أجابها
متخافيش عليها.
في المساء، كانت قمر تجلس في الغرفة بعد أن تزينت واستعدت لزوجها، ودلف سليم الغرفة فرآها تحاول التقرب منه وكسر الحواجز بينهما، فابتسم واقترب منها يحدثها بهدوء ليزيل عنها خجلها
شوفي يا قمر... إني عاوز اتحدت معاكي في حاچة مهمة؛ أول هام لازمن تعرفي إني مش عاوز خلفة دلوج، يعني حنأچلو الحكاية دي شوية، عشان أكده بكره حاخدك تروحي للدكتورة تشوف وسيله مناسبة ليكي. إحنا بينا تار والأمور لسه متحلتش، يبجى أچيب عيل يحتار بين العيلتين؟ ولا نستنو شوية؟
هزت رأسها بحزن خفيف، فأمسك يديها وأكمل برقة
انتي حلوة جوي يا جمر، بس ده ميمنعش إننا لسه جدامنا وجت لحد ما ناخد الخطوة دي... فهماني؟
أجابته بصوت خفيض
حاضر يا سي سليم... اللي تشوفه.
استطرد سليم مكملاً حديثه
تاني هام... لازمن تعرفي كمان إني بسافر كتير جوي بسبب ظروف شغلي، يعني أُخرى هنا شهر ولا اتنين في السنة، وحسيبلك حرية إنك تفضلي هنا أو تروحي لأهلك وأنا مسافر، بس طبعاً لازمن أكون عارف انتي فين.
أجابته بسرعة
أكيد... إني عمرى ما أتحرك من غير إذنك.
في الصباح التالي، فتحت قمر خزانة ملابسه لتخرج له ثياباً، فملفت انتباهها دفاتر مخصصة للرسم متراصة فوق بعضها. أخذت تفتحها بفضول، لتجدها مليئة برسم وجه فتاة واحدة بملامح دقيقة وتفاصيل متكررة.
خرج سليم من الحمام، وفور أن رآها تمسك الدفاتر وتطالعها باهتمام، تغيرت ملامحه واقترب منها بحدة صائحاً
انتي مين اللي سمحلك تدعبسي تفتشي في حاچتي أكده؟!
نظرت له بحزن وتساءلت بصوت خائف
مين دي يا سي سليم؟
خطف منها الدفاتر ووضعها مكانها داخل الخزانة وقاطعها بصوت حاد
ملكيش صالح، وإياكي تفتشي في حاچتي مرة تانية انتي فاهمة!
في تلك اللحظة رن هاتفه، وكان المتصل صديقه وساعده الأيمن مراد، فأجاب سليم بضيق
نعم يا مراد!
رد مراد بجدية
اهدى بس وخد أول طيارة جاية روما... أنا مستنيك هناك.
سأله سليم بتوجس
إيه اللي حصل؟ الصفقة حصل فيها حاجة؟
أجابه مراد
مش الصفقة يا سليم... جنه جاية روما بكرة الصبح!
لمعت عينا سليم بدهشة ومزيج من الفرح والتوتر في آن واحد، فأغلق الاتصال فوراً واتجه لخزانة ملابسه يخرج حقيبة سفره ليبدأ في ترتيب ثيابه وسط ذهول قمر التي سألته
إيه اللي حصل؟
نظر لها برسمية وقال بحزم
لازمن أسافر دلوجت!
خرج على عجالة متجهًا إلى المطار للتوجّه إلى روما، حيث هاجسه وهوسه القديم.
الفصل الخامس
وقفت جنة تلعب بالرمال على إحدى شواطئ إيطاليا في تلك الرحلة مع رفيقاتها والمعروفة بحفل توديع العزوبية، فستتزوج جينفر، وقد أتت الفتيات جميعاً لقضاء عطلة على الشواطئ الساحرة بروما.
رأى المنقذ من بعيد طفلاً صغيراً يغرق، فنزل على الفور لإنقاذه بعد أن انتبه له الجميع، ليتجمع الناس حول الفتى مغلق العينين وقاطع الأنفاس. ظل المنقذ يحاول إنعاشه دون جدوى حتى استسلم في النهاية.
اقتربت جنة منهم وتحدثت بالإنجليزية
هل لي أن أحاول؟
رد المنقذ بصيغة عملية
لا يبدو أن هناك فائدة من المحاولة!
نظرت له جنة بضيق ورددت بتأكيد
ولا يوجد ضرر أيضاً، فالضرر قد حدث بالفعل... وطالما أن النبض ما زال يعمل فلا داعي لليأس، فدعني أحاول.. أنا طبيبة طوارئ ولربما يفلح الأمر معي؟
ابتعد المنقذ عن الطفل لتظل هي تحاول إنعاشه بالتنفس الصناعي مرة تلو الأخرى وسط صراخ والدته، حتى لفظ الطفل الماء من رئتيه ليشهق بخوف، وتصرخ الأم بفرحة وهي تحتضن جنة وتحدثها بالإيطالية بكلمات غير مفهومة، لم تفهم منها جنة سوى كلمة الشكر، لتربت على كتفها وتعود لرفيقاتها.. كل هذا يحدث بمرأى ومسمع من ذلك المسحور بها والمغيب عن وعيه يراقبها عن بعد.
وفي المساء، حضرت الفتيات حفلاً ببهو الملهى الملحق بالفندق الذي يقمن به، ليمضي الوقت وسط مرحهن ورقصاتهن. ولم يغفل ذلك الواقف من بعيد يتابعهن بترقب؛ فكلما اقترب شاب منها ليدعوها للرقص أو للتقرب منها، ينتفض بفزع ليحاول ساعده الأيمن تهدئته
إهدى كده وبراحة مش عايزين شوشرة... وأديك شايفها بترفض من نفسها أي حد يقرب منها!
يردد سليم بحنق وغضب
مش قادر يا مراد... مش قادر اشوفها قدامي واشوف كل العيون دي عليها واسكت!
زفر مراد بنفاذ صبر وهتف
هتبوظ اللي بقالي شهور بخطط له... إهدى كده واعقل، ومتنساش إنها عايشة في أمريكا، يعني جايز جداً تكون ناسية مصر وكل حاجة عن مصر!
نظر له بغضب وعيون تطلق شرراً وهو يردد
أنت بتقول إيه يا بني آدم أنت؟ إذا كان خطيبها بتتعامل معاه بتحفظ، ده غير إن تحرياتك أكدت إن ملهاش علاقات ولا مصاحبة قبل كده!
مراد بحذر
أيوه بس التحريات مدخلتش جوه مخها عشان نعرف بتفكر إزاي، أنا عايزك تاخد بالك مش أكثر.
نظر أمامه فوجدها تتحرك للخارج بمفردها بعد أن شعرت بالاختناق من الدخان الكثيف وازدحام المكان، فوقفت في الهواء الطلق تستنشقه بعمق، حتى أوقف ذلك الهدوء صوتٌ رجولي محدثاً إياها بالإيطالية
هل أنتِ تائهة؟ أم تبحثين عن شيء؟
نظرت له ورددت بالإنجليزية
آسفة، أنا لا أتحدث الإيطالية.
لتنتبه لملامحه فور أن أدارت وجهها نحوه... نعم هو! نفس الملامح، ولكن مهلاً.. إنه يبدو أجنبياً، لربما كان شبيهاً له.
ابتسم لها وردد بالإنجليزية
كنت أقول لربما أنتِ تائهة أو تحتاجين إلى رفيق؟
نظرت له ببسمة رقيقة لتجيبه بإيجاز محاولة إنهاء الحوار معه
فقط أريد بعض الهدوء.
ردد بمزاح
يبدو أنني أزعجك؟
تجيبه جنة بخجل
لا... ولكني لا أحبذ التحدث إلى غرباء.
سليم ببسمة ساحرة وهو يمد يده ليصافحها
فلنتعرف إذن... أنا سليم.
نظرت إليه بدهشة بعد أن تأكدت من هويته العربية وشعورها أنه ربما يكون نفس الشخص الذي قامت بإنقاذه من أكثر من خمس سنوات، فهتفت بعيون ضاحكة تسأله
عربي؟
أجابها سليم بالعربية
مصري.. وأنتِ؟
جنة بضحكة رقيقة
أنا كمان مصرية.
جلس على الدرج الذي أمامه وردد برقة
حلوة جداً الصدفة دي، مع إن شكلِك مش مصري خالص!
جلست هي الأخرى بجواره تهتف
وأنت كمان شكلِك إيطالي ولغتك الإيطالي كويسة جداً، واضح إنك بقالك فترة عايش هنا.
ردد سليم بصوت غلفه الشجن
لا مش بالظبط، بس معظم شغلي هنا فبضطر أجي كل شوية.
نظر لها سليم بإصرار وردد
طيب مش هتقوليلي على اسمك؟
رددت بخجل
جنة.
ارتسمت بسمة ساحرة على وجهه وردد بإطراء
اسم جميل.. عاشت الأسامي يا جنة. ولا تحبي ألقاب؟ أقولك يا آنسة وتقولي يا استاذ؟
ضحكت جنة ضحكة جعلت قلبه يذوب مكانه، ورددت بصوت أسر فؤاده
لا لا... لا آنسة ولا استاذ.
ابتسم سليم ابتسامة واسعة وردد
حلو جداً... ممكن أعزمك على مشروب؟
نظرت له جنة بقلق وتخوف، فهي لا تريد الاقتراب من أي رجل، حتى وإن كان هو الرجل الوحيد الذي هاجم خيالاتها، فرددت وهي تقوم من مكانها تهم بالمغادرة بتعجل
لا شكراً... أنا لازم أرجع عشان صحابي ميقلقوش عليا، وفرصة سعيدة!
اختفت عن أنظاره في لمح البصر وهو جالس مكانه لا يصدق أنه حدثها وجلس إلى جوارها واشتم عبيرها وضحك معها، لينهر نفسه عن تأخره في إيجادها؛ فهي كما تخيلها عقله تماماً.
أفاق من شروده على صوت مراد هاتفا بمرح
لااا... ده الموضوع باين عليه بجد ولا إيه؟
أجابه سليم بحنق
أنت عبيط يا بني؟ أمال بهزر؟! بقالي أكثر من خمس سنين بفكر فيها وبرسمها عشان أحفظ ملامحها ومنسهاش، وتقولي باينة بجد؟!
ابتسم مراد بحبور وردد
طب إيه؟ نكمل ولا لقيت دخلة تانية؟
ردد سليم بحيرة
سيبني لبكرة كمان وهبقى أقولك.
في قصر الراوي بالصعيد
ارتدت قمر ثيابها واتجهت لأسفل حتى تذهب لبيت أبيها لترى أبناءها، فقد فاق اشتياقها لهم حد الألم.
وفور أن وصلت لأعتاب الباب، تسمرت مكانها على وقع صوت فاطمة الجاد والهادر بحدة
على فين؟ وكالة من غير بواب هي ولا إيه؟!
التفتت تنظر لها باحترام تحاول أن تنفذ أوامر زوجها بالتحمل حتى يحبها أهل البيت، فابتسمت لها برقة تردد بأدب
متآخذنيش يا حاجة... أني كنت رايحة دار أبويا.
ارتفع حاجبها ووسعت عيناها بلمعة من السخرية تهتف بخبث
رايحة دار أبوكي أكده؟ من غير ما تاخدي الإذن من كبير الدار اهنه؟ إيه.. مالكيش لا ظابط ولا رابط عاد يا بت الحديدي؟!
ابتلعت إهانتها بغصة مؤلمة، فرددت بصوت هادئ حاولت اكتسابه
أخدت إذن جوزي يا حاجة فاطمة.
ضحكت عالياً باستخفاف واقتربت منها وأمسكت ذراعها بقسوة، ورددت بغضب قاصدة إيلامها
الكل اهنه بياخد إذن الكبير يا بت الحديدي حتى المحروس جوزك، فاهمة؟!
أطرقت رأسها وحركتها دليل على خضوعها وموافقتها على الأمر، فدفعتها فاطمة بحدة ورددت بازدراء
يلا غورى اطلعي أوضتك، لما يبقى سي فرج ييجي من بره إبقي خدي منه الإذن عاد!
نظرت لها قمر بحزن وضيق ظاهر على ملامحها، فصرخت بها تحركها
جلت غورى قامت قيامتك.. جبر يلمك أنتِ وعيلتك واحد واحد!
هنا لم تحتمل قمر الإهانة أكثر من ذلك، فسحبت نفساً عميقاً وزفرته بحدة مهددة بخروج بركان ثائر، إلا أن فاطمة لم تهتم لشكلها الغاضب وسخرت منها تردد
لا والله خفت إياك يا بت الحديدي بشكلك ده؟! جلت غورى اطلعي أوضتك ومش عايزة ألمح ضفرك حتى!
صرخت بها قمر بحدة
عيب أكده يا حاجة... ميصحش تغلطي فيا وفي أهلي بالشكل ده، بس أني هعمل حساب إنك ست كبيرة ومش هرد عليكي عاد!
اندفعت فاطمة نحوها بحدة وأمسكت بطرف وشاحها تدفعها بقسوة، فتراجعت قمر واختل توازنها لتسقط على الأرض متألمة، بينما صرخت فاطمة بصوت حاد غاضب
لسه متخلقش اللي يتحدت أكده مع فاطمة الراوي يا بت الحديدي... فاهمة ولا أفهمك بطريقتي عاد؟!
صدح صوتهما في أرجاء القصر، حتى دلف كل من فرج وسليمان
واجتمع معهم باقي سكان القصر ليقفو بينهما.
صرخ فرج بحدة يردد
سبيها يا ولية... جرى إيه في عُقلك؟!
رددت فاطمة دون الاكتراث لحديثه
سيبني أربيها من تاني، بدل أهلها مربوهاش تربيها فاطمة الراوي عاد!
تدخل سليمان بينهما وسند قمر لتبتعد عن أمه، وردد بغضب
مش أكده يا أما... عيب اللي بتعمليه ده وفي غياب سليم!
هتفت بغل
البت بترد عليا وعايزة تخرج من غير ما تاخد الإذن من أبوك وبتبجح كمان.. وعايزني أسيبها؟!
نظر لها بثقة وحدة وهتف
أيوه يا أما تسبيها لحد ما سليم يرجع، وهي لو غلطت جوزها يربيها عاد، أنتِ مالكيش صالح بيها!
التفتت تنظر لفرج وتردد بعيون حزينة ترسم على وجهها انكساراً
وأنت رأيك أكده يا فرج؟
حرك رأسه بالإيجاب وردد بعيون غاضبة
أيوه طبعا... وإياكي تاني مرة تمدي يدك على حريم أولادي مهما كان! ليهم رجال هما اللي يجيبولك حقك لو واحدة فيهم غلطت معاكي.
ارتفع صدرها بالغضب ولم تحاول كبت حنقها وكرهها، فرددت بصوت هادر
لاااا... ده وأني بموت وبطلع في الروح عمري ما هستنى حد ياخدلي حقي، أني مش عويلة يا فرج، ومن النهاردة لازمن الكل يعرف إني ست الدار والكل لازمن يسمع كلمتي في غيابك!
ردد موافقاً
صُح.... أنتِ ست الدار والكل لازمن يسمع كلمتك في غيابك، بس وأني موجود تبقي زيك زيهم وأقل كمان.. وإياكي تفكري تصغريني جدام حد مرة تانية وإلا أقسم بالله لا هعمل حساب لا للعشرة ولا للدم ولا للعيال اللي بينا.... وقد أعذر من أنذر!
انتحبت فاطمة بأنين مكتوم وهي تجد زوجها وابنها يقفان معاً ضدها لينصرا زوجة ابن ضرتها التي تكرهه كرهاً شديداً، فتركتهم جميعاً واتجهت لغرفتها وهي تدب الأرض بغضب عارم متوعدة بالانتقام.
أما فرج فقد اقترب من قمر وحاول التحدث معها بهدوء وردد بقوة
اسمعي يا بتي..... مينفعش تخرجي أكده من غير رابط، أنتِ في عصمة رجل و.....
قاطعته موضحة
والله يا حاج أني أخدت الإذن من جوزي، ده حتى هو قال لي لو أفضل هناك مع أولادي لحد ما يعاود من بلاد بره، بس أني قلت يا بت خليكي في دار جوزك ومع أهله عشان تتعودي عليهم.
ابتسم لها وردد بحبور
عين العقل يا بتي.
هتفت مستطردة
بس أولادي وحشوني يا حاج.... سايق عليك حبيبك المصطفى تسمح لي أشوفهم وأملى عيني منهم.
ربت على كتفها بحبور وردد بطيبة
روحي يا بتي.
شكرته وانحنت تقبل يده، والتقطت وشاح رأسها لتغطي رأسها ونصف وجهها، وخرجت تهرول قاصدة بيت والدها لترى فلذات أكبادها.
في روما
استلقت جنة بإجهاد على فراشها الفندقي وهي تتحدث إلى والدها من هاتفها الذكي في مكالمة مرئية، فتردد بحنان
وحشتني أوي يا بابي!
ابتسم لها محسن بحبور وردد
وأنتِ أكثر يا حبيبتي...قوليلي بقى مبسوطة؟
تجيبه باستحياء وحيرة
مبسوطة ومش مبسوطة!
يضحك محسن ضحكة عالية ويردد بمرح
دي فزورة؟
تبتسم جنة لأبيها بحب وتردد
مبسوطة عشان كنت محتاجة أخرج من ضغط شغل المستشفى، ومش مبسوطة عشان سيباك لوحدك يا محسن بيه.
هتف محسن يطمئنها على حاله
متخافيش عليا، أنا بخرج من الشغل أرجع ألاقي مدام أنيتا مجهزة الغدا وكل حاجة تمام كأنك موجودة بالظبط.. اتبسطي أنتِ ومتشيليش همي.
ابتسمت بمشاكسة ورددت بمرح
بقى مدام أنيتا كأنها أنا بالظبط؟ ماشي يا محسن بيه! عينها منك أنيتا أنا عارفة، المهم أوعى تتشاقى حاكم أنا عارفاك شقي من يومك!
ضحك محسن ضحكة عالية وردد
أنا شقي؟! الله يصلح حالك يا جنة... هو أنا لو شقي كان زمان ده حالي؟
اقتضب وجهها لتذكيره بآلامه، فتنهر نفسها وتحاول تصنع البسمة فتردد بمرح مصطنع
ماله حالك يا محسن بيه؟ ده أنت بيجروا وراك وأنت اللي مش مالي عينك ولا واحدة، والدليل مدام أنيتا!
ضحك محسن على خفة ظل ابنته، ثم حاول تغيير مجرى الحديث فردد بتساؤل
سيبك مني وقوليلي راجعة إمتى يا جنة؟ أحسن وحشتيني بجد.
أجابته جنة بحب
كلها يومين وأرجعلك يا حبيبي.
ابتسم لها بسمة حنونة وردد
ترجعي بالسلامة يا رب.
أغلقت معه المكالمة لتجلس تسترجع ذكرياتها المؤلمة مع والدتها بعد طلاقها من والدها، واتفاقهما على ترك حضانة جنة لأبيها، إلا أن الأم تمكنت بمساعدة زوجها من أخذها منه عنوة، فلم يستطع محسن استعادتها، لكنه وعدها بأن يأخذها فور إتمامها السن القانونية.
ظلت جنة تتذكر لحظاتها التعيسة في بيت والدتها، وتجاوزات زوج والدتها ومضايقاته المستمرة لها منذ صغرها، ومحاولاتها المضنية لإخبار والدتها، انتهاءً بهروبها والسفر لوالدها بمساعدة خالتها الحنون.
وظلت تسترجع كل شيء، حتى يوم الحادث الشهير ومحاولاتها إنقاذ ذلك الشاب من السيارة المحترقة وعدم تمكنها من إفاقته وقتها، فآثرت اختيار تخصص الطوارئ لتستطيع مساعدة الناس، وها هي تفعل ذلك منذ ذلك الحين.
ظلت بين ذكرياتها المؤلمة تتخللها لمحات من حديثها معه في ذلك اليوم... ذلك الطيف الذي لازمها في الآونة الأخيرة دون سبب وجيه، حتى غطت في نوم عميق ودموعها تغرق وجنتيها.
وفي صباح اليوم التالي، أفاقت جنة على طرقات خفيفة على بابها، لتفتح وتجد رفيقتيها جينفر ورايتشيل، حيث تحدثها الأخيرة بلهو
لم تسصمدي معنا البارحة ولم تشربي الكحول وما زلتِ نائمة! تلك معادلة غريبة، فنحن جميعاً قد ثملنا ومع ذلك نهضنا مبكراً لنستفيد من اليوم!
تجيبها جنة بنعاس
لم يجافني النوم ليلة أمس حتى وقت متأخر، لذا لم آخذ قسطاً وافراً من الراحة.
نظرت لها جينفر ورددت بتعجب
إننا في عطلة نادرة، وسوف نرتاح وننام فورعودتنا لنيويورك.
تضحك جنة بمرح وتردد بسخرية
وكأن هناك توجد الراحة!
تبتسم رفيقتها وتردد
معكِ حق، ولكن هيا احزمي أمتعتكِ فسوف نذهب لفيينا لنقضي بها الأيام المتبقية لنا!
تنظر لها جنة بفضول وتعجب متسائلة
من أين أتت فكرة فيينا الآن؟ ألم يدفع جاك ثمن الغرف كاملاً هنا بروما؟
تبتسم جينفر وتردد وهي تشير لنفسها بزهو
إنها هدية من جاك لعروسه الحسناء، هل لنا أن نعترض؟
ابتسمت جنة وقبلتها على وجنتها وهي تردد بمديح
أجمل عروس في العالم!.
ثم عادت جنة لتقوس فمها بتعجب وتردد
غريب أمره... جاك كان دائم الحرص على الأموال والآن ينفق ببذخ، بداية من رحلة روما والآن فيينا، وماذا بعد؟
قبرص! تجيبها جينفر بمرح.
ماذا؟ قبرص؟! موعد الطائرة العائدة لنيويورك بعد غد! تردده جنة بتعجب.
تنظر لها جينفر بحيرة وتهتف بحدة بسيطة
غريب أمركِ يا جنة! أول مرة أجد فتاة ترفض إجازة مدفوعة الأجر بهذا الشكل!
تضايقت جنة من الأمر فهتفت توضح
أنا لا أرفض، ولكني متعجبة من أفعال جاك... لماذا يكلف نفسه تلك الأموال الطائلة، أو بالحرى لما يدفع لنا إقامتنا؟
أجابتها جينفر ببسمة
حتى يسعد زوجته المستقبلية، فهو يعلم كم أسعد برفقتكما.. وهيا لا تضيعي الوقت.
التفتت جنة تلملم حقيبتها وتردد باستسلام
حسناً، أعطوني عشر دقائق وسأنتهي من حزم الأمتعة.
لتهتف رايتشل بمرح
إلى فيينا!
فتردد وراءها كل من جنة وجينفر
إلى فيينا!.
في منزل عائلة الحديدي بالصعيد
مكثت قمر بمنزل والدها لتزيل نار اشتياقها لأبنائها، ولكن لم يخلو الأمر من مضايقات زوجة أخيها الراحل ومحاولاتها الشجار معها بأي شكل، متحججة دائماً بثقل حمل تربية أبنائها.
جلست قمر تشكي حالها لأختها، فرددت الأخت الكبرى مازحة
أنتِ
ضيفة اهنه يا قمر.... متعمليش معاها مشاكل على الفاضي.
رددت قمر باستنكار
أني مبعملش معاها مشاكل يا خيتي.... بس هي اللي حاطة عيالي في رأسها، وبصراحة أكده أني خايفة أسيبهم لها وأعاود دار جوزي.
ابتسمت أختها تطمئنها
لا متقلقيش يا خيتي.... أمك هتاخد بالها منهم، بطلي ملاوعة بقى واحكيلي عن جوزك عامل معاكي إيه؟
ابتسمت قمر فور أن سألتها، لتنظر لها أختها ببسمة ودهشة في آن واحد وتهتف بفضول
للدرجة دي مبسوطة؟! احكيلي كل حاجة!
أخذت تقص عليها طيبته ورقتِه في التعامل معها، ودفيء المشاعر والاحترام الذي يغمرها به وصبره عليها، وكيف تنعم معه بالراحة والتقدير الذي لم تعرفه في حياتها السابقة.
ابتسمت أختها وأخذت تتمعن النظر فيها وتردد
ما هو بيسافر بلاد بره وأكيد إنسانيته وطبعه راقي من معاملته مع الناس هناك.. يلا يا بختك! ناس ليها بخت وناس ليها بختي المايل!
ضحكت قمر على حديث أختها الكبرى وربتت عليها تواسيها، حتى تنبهت لأمر فصرخت بها
أنتِ تقصدي إنه ممكن يكون اتعرف على حريم الأجانب هناك وعشان كده بيعاملني بأسلوب مختلف؟
حركت رأسها بجهل ورددت
مخبراش لا أعرف بس ممكن.. هو يعني جاب الطبع الهادي والذوق ده منين؟
امتعض وجهها بالحزن وترقرقت عيناها بالعبرات ورددت بحزن وألم
يعني ممكن يكون بيعرف حد غيري بره؟
ضحكت أختها حتى انفطر قلبها من كثرة الضحك وهتفت توبخها
هو لحق يتجوزك عشان يفكر في غيرك يا مجذوبة أنتِ؟! لو متعود ينسى نفسه وهو مسافر، يبقى أنتِ تحطي لسانك جوه فمك ومتتحدثيش معاه في الحكاية دي ولا تسأليه حاكم أني عارفاكي!
نظرت لها بتوجس وقلق وصرخت بها بحدة
إزاي أسكت؟ أني لازمن أعرف... أني ديك النهار لقيت دفتر فيه رسومات لواحدة حلوة جوي ولما سألته مين دي زعق فيا جامد، تفتكري دي واحدة منهم؟
ضربتها أختها ضربة خفيفة خلف رأسها توبخها بحدة
مش بقولك مجذوبة؟! كنتِ عايزاه يقولك إيه لما تسأليه يا ناصحة؟! يجيبلك وجع الرأس وحرقة القلب وخلاص؟! يبقى أنتِ تعملي نفسك ولا تعرفي حاجة، وتقيدي صوابعك العشرة شمع عشان يحبك ويحافظ عليكي.
ابتسمت قمر فور نطق أختها كلماتها الأخيرة وتذكرت طلبه منها أن تحاول إسعاده وتبحث عن كيفية إرضائه، فقصت على أختها حديثه لتندهش الأخيرة وتتساءل
إيوه يعني عايزك تعملي إيه؟ هو إحنا بنعرفوا نعملوا حاجة غير إننا نراعي بيوتنا وأزواجنا؟
هتفت بحيرة
مخبراش... اهو قال لي أحاول أبسطه وأني مش عارفة أعمل إيه؟
هتفت أختها بفروغ صبر
خلاص يا خيتي... لما يبقى ييجي إبقي اسأليه بهدوء وهو يفهمك عاد.
في فيينا
تحضرت الفتيات لحضور إحدى الحفلات التنكرية بفيينا بعد أن وجدن الدعوات بغرفهن، فتعجبن جميعاً؛ فلقد تفوق جاك على نفسه بتلك الترتيبات، لتخرج الفتيات جميعاً للتسوق وشراء فساتين تناسب الحدث.
وفي متجر الألبسة التنكرية، ارتدت جنة زي سندريلا الخادمة، فتعجبت رفيقاتها من اختيارها، ولكنها رددت لهن
منذ صغري وأنا أتمنى ارتداء هذا الزي.
تحدثها جينفر بدهشة
جميع الفتيات تتمنى ارتداء ملابس الأميرات وأنتِ تختارين هذا؟!
ترددها وهي تشير إلى الرداء بازدراء، فتهتف جنة بحدة
أنا هنا لأستمتع بوقتي، فلا تتدخلن باختياراتي!
رددت جينفر بسخرية
من الصعب جداً أن تجدي شاباً وسيماً تستمتعين معه باختياراتكِ تلك يا جنة.
تنظر لهما بضيق وتهتف بغضب
أنتما تعلمان جيداً أنني لا أرافق الرجال بتلك الطريقة، فلتكفا عن الحديث معي بهذا الأسلوب!
شعرت بغليان في رأسها لتغير ثيابها وتترك المتجر وتخرج. حاولت رفيقاتها اللحاق بها ولكن دون جدوى، لتجلس على أحد المقاعد أمام صفحة المياه الرائعة لتحاول الهدوء بعد أن أثارتا مشاعرها؛ فهي فتاة تشعر أحياناً باحتياجها للحنان والعاطفة، ولكنها لا تستطيع تقبل ذلك الضعف، فتظل جالس بشرود حتى يقطع شرودها صوته الذي عرفته فوراً
الصدف كده كترت أوي وشكلك مراقباني!
التفتت تنظر له ببسمة وهتفت
فعلاً الصدف كترت، ومش بعيد تكون أنت اللي ماشية ورايا!
جلس بجوارها ونظر لها بتسلية وردد وهو يشير على الجانب الآخر من الطريق
همشي وراكي لدرجة إني هجيب مكتبي وأحطه هنا؟!
التفتت بدهشة تنظر لما يشير إليه، فوجدت لافتة لمكتب استيراد وتصدير مكتوبة بالإيطالية ولكنها استطاعت أن تقرأ اسمه عليه، فرددت بحيرة
أنت مش شغلك في روما؟
أجابها بسلاسة
أيوه وليا فرع هنا كمان. أنا شفتك من الشباك وكذبت نفسي في الأول، بس بعدين تأكدت إنها أنتِ لما لقيتك قاعدة لوحدك.... واضح إنك بتحبي تقعدي لوحدك كتير!
حركت رأسها بالإيجاب، فاقتترح عليها
طيب إيه رأيك أعزمك على فنجان قهوة مصري معتبر؟
ابتسمت وهتفت بمرح
يااااه ده أنا مفتقدة القهوة المصري جداً!
أجابها وهو يقف يدعوها للذهاب معه
تعالي طيب، أنا عندي قهوة حلوة أوي في المكتب.
نظرت له بتوجس ورددت بمزاح
اممم..... طيب مش هتحطلي حاجة صفرا في القهوة وتطلع بعدها قاتل متسلسل Serial Killer؟
ضحك بخفة على مزحتها وردد ممازحاً هو الآخر
مش هتقدري تعرفي ده إلا لو جيتي معايا!
تحركت معه باتجاه مكتبه ودلفت، ليرفع سماعة الهاتف يردد بالإيطالية
أحضري فنجانين قهوة عربي حالاً لمكتبي.
لم ينتظر سماع الطرف الآخر وأغلق الهاتف فوراً، وذهب ليقف بجوارها وهي تنظر أمامها بإعجاب، فردد بصوت عذب
عجبتك فيينا؟
ابتسمت وهي لا تزال تنظر من النافذة الزجاجية
تحفة.... بلد بحالها مبنية فوق المية، بجد حاجة خيال!
دلفت السكرتيرة حاملة القهوة ووضعتها على المنضدة وخرجت، فأكمل سليم حواره وهتف
لفيتي في البلد ولا لسه؟
حركت رأسها معترضة
لا لسه..... يا دوب وصلنا الفندق ونزلنا نشتري اللبس بتاع الحفلة عشان بالليل.
التف حولها ليصبح في مواجهتها وردد بتأكيد
الحفلة التنكرية مش كده؟
نظرت له بدهشة كيف علم؟! ولكنه لم يمهلها وقتاً للتفكير وردد يشرح لها
دي حفلة كبيرة جداً بتتعمل هنا كل سنة في التوقيت ده، وبيكون معزوم فيها ناس كثيرة جداً وأنا واحد منهم، ده غير إنهم بيبيعوا دعوات للحفلة ويتبرعوا بفلوسها للجمعيات الخيرية.
نظرت له بخبث وأردفت
يعني أنت معزوم ولا شارك دعوتك زينا كده؟
أجابها وتلك البسمة لا تفارقه
معزوم، بس برضه اشتريت كام دعوة كده مساهمة مني ووزعتهم على معارفي هنا.
تنهدت وجلست ترتشف قهوتها بتلذذ وهي تردد بمرح
لو القهوة بالحلاوة دي بسبب الحاجة الصفرا، فأنا موافقة إنك تحطلي حاجة صفرا في قهوتي على طول!
ضحك بصوت عالٍ وجلس بجوارها، وأخذ يتفحص وجهها وشرد بملامحها التي يحفظها عن ظهر قلب، فتوجست منه ريبة من تحديقه بها، فتحرجت وابتعَدت قليلاً، ليردد هو بتأكيد
مش عارف ليه حاسس إني أعرفك كويس جداً.... حاسس إني شفتك قبل كده، بس فين؟ وأنا متأكد إني لو شفتك مستحيل أنساكي!
لمعت عيناها من حديثه وطريقته، فشعرت بسخونة تسري في جسدها، حتى قطع صمتها يردد
اشتريتي اللبس؟ خلي بالك لو اتأخرتي مش هتلاقي حاجة كويسة تلبسيها، هتلاقي البلد كلها اشترت وخلصت على كل اللبس.
ابتسمت له وهتفت برقة
كان عاجبني لبس سندريلا بس صحابي ضايقوني.
اقترب منها وردد وعيونه تنطق بما يعتريه
سندريلا الخادمة ولا الأميرة؟
أجابته بعفوية
الخادمة... نفسي فيه أوي.
حرك رأسه معترضاً وهتف بإعجاب
بس هتكوني أحلى في لبس سندريلا الأميرة!
تضايقت من مغازلته الصريحة لها، فانتفضت تتحرك ناحية الباب وحاولت
الخروج بعجالة تردد
أنا لازم أمشي..... فرصة سعيدة.
هتف ليوقفها
هشوفك تاني؟
ابتسمت برقة وهتفت
إن شاء الله، مش بتقول رايح الحفلة؟
أومأ برأسه فرددت
خلاص يبقى نتقابل هناك، مع السلامة.
خرجت من مكتبه ووقفت على الرصيف تنظر حولها، فهي لا تعلم الطريق ولا تتحدث الإيطالية، وقد لاحظت منذ حضورها لإيطاليا أن أغلب سكانها لا يتحدثون الإنجليزية، فقوست فمها بضيق وعادت تدلف مكتبه. أدخلتها السكرتيرة، فأنزل فور دخولها الهاتف المحمول من على أذنه بعد أن أستأذن من المتحدث ونظر لها ببسمة ساحرة لتردد بخجل
أنا مش هعرف أرجع الفندق لوحدي.
ابتسم لها وردد بحذر
طيب ممكن أعرض عليكِ إني أوصلك؟
أومأت بالقبول، فردد يتساءل
نازلة في فندق إيه؟
أجابته بجهل
فندق.... أااا هو سوسي، حاجة كده!
ضحك عالياً حتى انشرح صدره من كثرة الضحك، وشردت هي بضحكته الساحرة، وردد بتأكيد
سانس سوسي؟
لمعت عيناها ببريق ورددت بلهفة
أيوه.... هو ده!
ابتسم لها وهتف
بعيد عن هنا لو ركبنا العربية.... إنما باللنش السريع هنوصل في خمس دقايق... ها تحبي إيه؟
فكرت وصمتت قليلاً واتخذت قرارها في النهاية ورددت
خلينا نركب اللنش أحسن عشان زمان صحابي قلقانين عليا.
أومأ موافقاً وقادها للخارج بعد أن ارتدى سترة بدلته ورأفقها حتى الممشى المؤدي للمرسى، فنظرت له بتوتر وهتفت
هنلاقي حاجة نركبها ولا لأ؟
أومأ لها وأمسك هاتفه يردد بالإيطالية
أحضر اللنش الخاص بي للمرسى الآن.
أغلق الهاتف وردد بجدية مصطنشعة
دقيقة واللنش هيكون هنا.
تحرجت منه وهتفت مستفسرة
هو اللنش ده بتاعك؟
نظر لها بتسلية لملامحها القلقة وردد بمشاكسة
اه.... وهاخدك وأروح بيكي في حتة هادية وهناك بقى......
صمت فور أن رأى تبدل ملامحها للحزن والغضب والخوف، فلم يستطع تحديد ماهية شعورها بالضبط؛ فهو يستطيع قراءة لغة الجسد جيداً، ولكنه وقف عاجزاً أمام قراءتها، فردد بقلق عليها
أنا بهزر والله متخافيش!
حاولت أن تبتسم ولكنها فشلت، فتخوف سليم أن تفسد محاولاته للتقرب منها، وحاول تهدئتها فردد بهدوء
لو تحبي تركبي لوحدك مع السواق؟ أو لو عايزة أوقفلك تاكسي؟ أنا مش قصدي أخوفك كده.
شعرت بداخلها أنها ربما اتخذت رد فعل أقوى من اللازم، فابتلعت لعابها بحرج ورددت
أنا مش قصدي، بس إحنا منعرفش بعض وطبيعي أقلق، وخصوصاً إني في بلد غريب.
نظر لها بمعاتبة وساعدها على ركوب اللنش وهو صامت، فشعرت بالضيق من نظراته المعاتبة فهتفت
خلاص بقى والله ما كان قصدي!
أجابها بصوت هادئ
أنا عارف إننا منعرفش بعض، بس برضه الواحد له نظرة يقدر يحدد بيها نوعية الإنسان اللي قدامه، وفي الأساس أنتِ اللي بدأتي الهزار ده وأنا كنت بجاريكي مش أكثر..