اقتحمت حياتي اسماء المصري

لمحة نيوز

وحدها، وقد أدركت أن سرها أصبح مهددًا بالانكشاف في أي لحظة.
عاد سليم إلى الفيلا بعد ساعات، وكان أول ما فعله أن سأل عن جنة.
أجابته رايتشيل
نامت من بدري.
أومأ لها، ثم صعد إلى الجناح.
فتح الباب بهدوء، فوجد جنة نائمة، وملامحها أكثر هدوءًا من الأيام السابقة.
جلس بعيدًا عنها، وظل يراقبها للحظات.
لم يكن يشعر بالانتصار رغم كل ما فعله.
كان يشعر بشيء آخر.
الخوف.
الخوف من أن يكون غضبه قد جعله يفقد نفسه، وأن تتحول رغبته في حمايتها إلى سبب جديد لألمها.
أخرج هاتفه، وفتح رسالة من ستيفانو.
كانت قصيرة
انتهى الأمر. داني غادر.
أغلق الهاتف، ثم وضعه جانبًا.
في تلك اللحظة فتحت جنة عينيها.
سليم؟
اقترب منها خطوة واحدة فقط، ثم قال
أيوه، أنا هنا.
نظرت إليه بتعب
رجعت إمتى؟
من شوية.
صمتت قليلًا، ثم سألته
خلصت شغلك؟
نظر إليها مطولًا قبل أن يجيب
أيوه.... خلص.
لم تسأله عن التفاصيل، لكنها شعرت أن شيئًا ما يثقل قلبه.
قالت
شكلك تعبان.
ابتسم ابتسامة صغيرة
يمكن.
ثم أضاف
بس أول ما شوفتك حسيت إني ارتحت.
ابتسمت له، ثم قالت
اقعد هنا شوية.
جلس على المقعد القريب من فراشها.
قالت بصوت خافت
أنا بحاول أكون أحسن.
أجابها فورًا
وأنا شايف ده.
بس ساعات بخاف من غير سبب.
عارف.
وساعات بحس إني مش قادرة أنسى.
خفض عينيه للحظات، ثم قال
مش مطلوب منك تنسي.
نظرت إليه باهتمام.
أكمل
اللي حصل كان جزء من حياتك، بس مش لازم يفضل هو اللي يتحكم في باقي حياتك.
سكتت، ثم قالت
وإنت؟
أنا إيه؟
هتفضل معايا مهما حصل؟
نظر إليها بثبات
مهما حصل.
ابتسمت للمرة الأولى منذ أيام، ثم أغمضت عينيها من جديد.
ظل سليم جالسًا مكانه، حتى تأكد أنها عادت للنوم.
في صباح اليوم التالي، اجتمع سليم ومراد في المكتب.
وضع مراد ملفًا أمامه وقال
عندنا مشكلة.
رفع سليم عينيه
إيه؟
عصام اتنقل للمستشفى، والموضوع بدأ يلفت الانتباه.
صمت سليم للحظات، ثم قال
خلي المحامي يتابع الموضوع.
ولو الشرطة سألت؟
مفيش حد يتكلم باسمي.
رفع مراد حاجبه
إنت متأكد إنك عايز تكمل بالطريقة القانونية؟
أجابه سليم
أيوه.
ثم أضاف بحزم
من هنا ورايح مش هسمح لغضبي ياخد قرارات بدالي.
ابتسم مراد بسخرية خفيفة
أخيرًا العقل رجعلك.
نظر له سليم بحدة
متفرحش أوي.
ضحك مراد
المهم إنه رجع.
وقبل أن يستكملا حديثهما، فُتح باب المكتب ودخل محسن.
تغيرت ملامح سليم فور رؤيته.
قال محسن بجدية
محتاج أتكلم معاك.
أشار له سليم بالجلوس.
جلس محسن وقال
أنا عايز أعرف
الحقيقة.
صمت سليم.
تابع محسن
بنتي من يوم الفرح وهي مش زي الأول، وإنت الوحيد اللي عارف إيه اللي حصل.
ظل سليم صامتًا لثوانٍ، ثم قال
أنا مش هخبي عليك حاجة، بس مش هقدر أقولك كل التفاصيل من غير ما جنة توافق.
نظر إليه محسن طويلًا، ثم أومأ
عندك حق.
وقف من مكانه، لكنه قبل أن يغادر قال
أنا سلمتلك بنتي عشان تحميها.... مش عشان تزود وجعها.
أجابه سليم بثبات
وأنا مش هعمل غير كده.
خرج محسن، بينما بقي سليم واقفًا أمام نافذة مكتبه.
كان يعلم أن المرحلة القادمة لن تكون سهلة.
فالانتقام انتهى.
أما المعركة الحقيقية، فكانت تبدأ الآن...
معركة إعادة جنة إلى نفسها من جديد.
في الجهة الأخرى، كانت قمر تقف أمام المرآة، تحدق في وجهها الشاحب.
سمعت طرقًا على الباب، فالتفتت بسرعة.
دخلت والدتها وهي تقول
قومي يا جمر، أبوكي عايزك.
تجمدت قمر في مكانها.
دلوقتي؟
أيوه.... وبيقولك بسرعة.
خرجت معها بخطوات مترددة، وقلبها يخبرها أن شيئًا خطيرًا على وشك الحدوث.
وفي اللحظة التي وصلت فيها إلى غرفة والدها، وجدته جالسًا وبجواره رجل من رجال العائلة.
رفع تهامي الحديدي عينيه إليها وقال
تعالي يا جمر.... عندي ليكي كلام مهم.
اقتربت منه بحذر.
أشار لها بالجلوس.
ثم قال
سليم الراوي بعت رسالة.
اتسعت عيناها.
قال إيه؟
ابتسم تهامي ابتسامة غامضة
قال إن موضوع الطلاق مش زي ما إنتي فاكرة.
تعلقت عيناها به، بينما أكمل
هو بنفسه طلب يقابلني.
توقفت أنفاس قمر للحظات.
هل كان ذلك يعني أن كل شيء لم ينتهِ بعد؟
أم أن المواجهة القادمة ستفتح أبوابًا جديدة من الأسرار؟
لم تعرف الإجابة.
لكنها أدركت أن لقاء سليم بوالدها لن يمر بهدوء.
يتبع...
التأخير في الانتقام يجعل الضربة أشد قسوة، فإن ترددت قليلًا في أن تنتقم أو تصفح، فتذكر أن الصفح يأتي في كل وقت، أما الانتقام فلا يتاح إلا مرة واحدة... وهذه هي فرصتك، فلا تدعها تفلت منك.
هكذا كان حال سليم طوال فترة قيادته عائدًا إليها، إلى حبيبته التي ما إن سمعت ما ألقاه على مسامعها حتى دخلت في حالة من الذهول والاضطراب.
أما هو، فكان شاردًا يستعيد في ذهنه ما فعله بعصام الشاطر، وصراخه الذي ما زال يتردد في رأسه، ليعود ويسأل نفسه للمرة التي لا يعرف عددها
هل كان عقابه قاسيًا؟
أم أنه كان يستحق ما حدث له؟
تذكر ذلك الملف الذي جمع فيه بعض المعلومات عنه، والذي كشف له جانبًا مظلمًا من حياته، وما ارتكبه من أفعال مشينة بحق فتيات صغيرات.
حاول طرد تلك الأفكار من رأسه حتى يستعد لمواجهة جنه بالحقيقة، كما عاهد نفسه معها دائمًا.
أما هي، فقد ظلت تضرب الأرض بقدميها في توتر واضح، بعدما صعدت إلى جناحهما تنتظره على أحر من الجمر، حتى لا يشعر بها أحد، ولتعلم منه ما قصده بحديثه، وماذا فعل بعصام الشاطر.
سمعت صوت سيارته يدخل من بوابة الفيلا، فتيقظت حواسها، ثم استمعت إلى همهماته مع جدته ووالدها في الأسفل، وبعدها سمعت صوت خطواته تصعد الدرج.
ما إن فتح باب الجناح حتى اندفعت نحوه، لكنها توقفت قبل أن تقترب منه كثيرًا، وكأنها لا تعرف هل تطمئن إليه أم تخشاه بعد ما سمعته.
نظر إليها سليم بقلق، ولاحظ الاضطراب المرتسم على وجهها.
قال بهدوء
مالك يا حبيبتي؟ بتعيطي ليه؟ اهدي خلاص، أنا جنبك.
ابتلعت لعابها بتوتر وخوف، ثم سألته بصوت مرتجف
أنت عملت إيه معاه يا سليم؟... عصام الشاطر مش حد سهل، ومش هيسكت.
ابتسم ابتسامة صغيرة محاولًا طمأنتها
متخافيش... أنا عارف أتعامل مع الأشكال دي، متقلقيش إنتِ.
همست بتلعثم
ط... طيب، قول عملت إيه؟
شعر برهبتها، فأدرك أنها لن تستطيع تقبل الحقيقة بسهولة.
فهو نفسه بدأ يشعر بثقل ما فعله، وتساءل للحظات إن كان قد تجاوز الحد، لكنه عاد يؤكد لنفسه أن الرجل يستحق العقاب، وأن ما ارتكبه لا يمكن تجاهله.
جلس بجوارها على طرف الفراش، وقال بهدوء
أنا عايزك تهدي وتعرفي إن العقاب اللي أخده أقل بكتير من اللي يستحقه يا جنتي... ومن النهارده تنسي حد بالاسم ده نهائي، لأنه مش هيظهر أبدًا في حياتنا بعد كده.
ظهرت في عينيها لمعة حزن وانكسار، جعلته يتردد قليلًا في إخبارها بباقي الأخبار التي وصلته حديثًا من أخيه سليمان.
نظر إليها طويلًا، ثم سألها بصوت خافت
إنتِ بتحبيني يا جنة؟
أومأت له، لكن إجابتها لم تكن كافية بالنسبة إليه، فقال بإصرار
انطقيها.
أجابته بوهن
بحبك يا سليم.
هدأ قليلًا، ثم سألها
وهتكملي حياتك معايا؟ يعني مش هتسبيني تاني، مش كده؟
أومأت بالموافقة وقالت
عمري ما هسيبك إلا لو أنت اللي سبتني.
نظر إليها طويلًا، ثم قال
عمري ما هسيبك مهما حصل.
ابتعدت عنه قليلًا، وتفرست في ملامحه بقلق
الكلام ده وراه حاجة كبيرة يا سليم... قول اللي عندك.
ابتلع لعابه بخوف، وأطرق رأسه بحرج قبل أن يقول
قمر حامل.
ساد الصمت بينهما.
توقفت الكلمات على شفتيها، واتسعت عيناها في صدمة، بينما ظل سليم يراقب رد فعلها بصمت.
تفاجأ سليمان بالحاج تهامي يقترب منه بينما كان يباشر أعمال الأرض ويتفقد المزارعين، فتوقف أمامه يهتف بحدة
أبوك فين يا سليمان؟
أجابه الأخير
في الدار... خير يا حاج؟
ابتسم ساخرًا وقال
والخير حيجي منين عاد؟ أخوك اتجوز على بنتي ورماها وهي حبلى، وتجولي خير؟
امتعض وجه سليمان، ونظر إليه باستخفاف قبل أن يرد
ما الحكاية كلها اتكشفت يا حاج... فبلاش بقى الرسم ده، وإنت خابر إن إحنا اللي لينا الحق، ومع ذلك ساكتين إكرامًا للي بنتك شيلاه في بطنها، ويبقى ولدنا ومن صلبنا.
زفر تهامي بحنق وقال
أنا كلامي مش معاك إنت، كلامي مع كبيركم... ولا خلاص ما عادش فيه احترام للكبير؟
ضحك سليمان ساخرًا
لا إزاي يا حاج تهامي؟ السن والمقام محفوظ برده.
وأشار له بالتحرك أمامه
اتفضل أوصلك لأبويا.
تحرك تهامي بعجرفة واضحة، يطرق الأرض بعصاه، حتى وصل إلى قصر الراوي برفقة سليمان، فاستقبله فرج بترحاب مصطنع
يا أهلا يا حاج تهامي... البلد نورت بيك، كفارة يا راجل.
نظر إليه تهامي بحدة وقال
كفارة على إيه عاد؟ ده يا دوب كام يوم الواحد قضاهم في الحبس لحد ما الحقيقة ظهرت.
بسخرية أجابه فرج
لااا... وإنت الحق معاك طبعًا، ورجالتك كانوا بيلعبوها من وراك. معلش، ما إنت أكيد كبرت ومبقتش كلمتك تهز جبال زي زمان، عشان كده رجالتك استغفلوك وحطوا سلاحي في المخازن بتاعتك من غير علمك.
ابتلع تهامي لعابه بتوتر
هو ده موضوعنا دلوقتي؟
ممازحًا إياه قال فرج
أبَى عليك يا تهامي... بلاش أهزر معاك يا أخي، ده إحنا حتى نسايب، وقريب حيجي حفيد يشيل اسم عيلة الراوي من رحم بنتك.
تضايق تهامي من سخريته المبطنة، فكتم غيظه وقال بتوبيخ
ويصح ولدك يتجوز على بنتي وهي لسه مكملتش سنة جواز ويرميها كده وهي حبلى؟
حرك فرج رأسه بلا مبالاة وقال باستفزاز
ولدي بيحب عروسته من سنين ورايدها، وكان حيتجوزها لولا حكاية الصلح اللي بينا، وأنا اديته كلمتي إن جوازته من بنتك مش حتأثر عليه.
صاح تهامي بغضب
إيه الكلام الفارغ ده؟ يعني إيه؟ ولدك كان ناوي من الأول إنه يتجوز على بنتي؟
هنا لم يتمالك سليمان أعصابه، فردد بلسان لاذع
مالك يا حاج؟ ما طول عمرنا بنتجوز مرة واتنين وتلاتة كمان، وغير كده بنتك أرملة، يعني أخويا من حقه يتجوز بنت بنوت، مش واحدة معاها بدل العيل تلاتة.
لمعت عين تهامي بالغضب والكره، فوقف من مكانه وقال بحدة
وأنا مسمحش لحد إنه يكسر بنت تهامي الحديدي... خلى ولدك يتجوز براحته، بس يطلق جمر.
ابتسم فرج بسخرية
بس كده؟ من عنيا. حجوله يطلقها. أي أوامر تانية؟
رفع تهامي حاجبيه بضيق، ثم حرك رأسه رافضًا واتجه للمغادرة، فأوقفه صوت فرج الصارم
أظن إنت خابر إن ولدنا اللي عنديكم أمانة لحد ما يتم سنتين، وبعدها...
صمت ليترك له المعنى.
أجابه تهامي بغضب
ياجي للدنيا الأول، ووقتها يحلها الحلال.
ابتسم فرج مزهوًا بنفسه
ولسه لينا قعدة تانية نتفق فيها إزاي حتدفع تمن البضاعة اللي رجالتك سرقوها.
التفت إليه تهامي بحدة
بضاعة إيه اللي عاوز تمنها دي؟ البضاعة اتمسكت عند الحكومة.
رد فرج ببرود
ميخصنيش... تمن البضاعة هاخده يعني هاخده، لأني حايش عنيكم التجار بالعافية بعد ما عرفوا إنكم السبب في اللي حصل، وإنت عارف التجار ممكن تعمل إيه فيكم!
هدر تهامي بصوته الغاضب
إنت بتهددني يا فرج؟
وقف أمامه بغرور وقال
اسمي الحاج فرج الراوي، كبير الناحية، ومتنساش إني حايش عنيكم رجال العيلة كلها لأجل التار، وأولهم سليم جوز بنتك يا...
صمت لحظة ثم أكمل بسخرية
يا حاج تهامي.
خرج تهامي غاضبًا، بينما ظل فرج يراقبه بنظرات ثابتة.
أما تهامي، فكان يطوي عباءته أمامه ويضرب الأرض بعصاه، وقد اشتعل الغضب داخله.
تمتم لنفسه
يبقى حد يفكر يفتح موال التار ده من تاني.
عاد إلى منزله وقص ما حدث معه لابنه الوحيد، فردد جابر بخوف
مش قلتلك
يا أبوي إننا كده بنلعب بالنار؟
نظر إليه بضيق
إنت خايف يا جابر؟
أجابه على الفور
أيوه خايف يا أبوي... مش خايف من الموت، أنا خايف على مرتي وولادي يتربوا يتامى زي باقي ولاد إخواتي ونسوانهم.
حملق أمامه بحزن وأكمل
هتتبسط لو قتلوني وحرّقوا قلب أمي ومرتي عليا، وبقيت إنت من غير سند وظهر يا أبوي؟ ولو عملوها بعد اللي عملناه فيهم، يبقى عنديهم ألف حق.
جلس بخزي، يطرق رأسه إلى الأسفل، وقال بحيرة
البيت مليان عيال إخواتي، وأنا اللي بربيهم، وربنا العالم إني مش بفرق بينهم وبين ولادي.
رفع بصره ناحية والده وأكمل
بس تقدر تقولي لما أموت مين اللي هيربيهم وهيربي معاهم ولادي؟
كل هذا وزوجته تقف بالخارج تستمع لما يقوله، فرددت في نفسها بحزن ورهبة
لا يا جابر... ده إنت السند، أوعاك تسيبنا.
ثم لمعت نظرة خبيثة في عينيها، وأقسمت بغضب
كله منك يا وش النصايب... أنا وإنت والزمن طويل يا جمر.
الصمت أحيانًا يكون أبلغ لغة تعبر بها عما يدور بداخلك، ولكن صمت الحبيب يصبح سهامًا تخترق قلبك خوفًا، وسكينًا حادًا يشطر روحك نصفين.
ظل ينظر إلى صمتها خائفًا، بل ومذعورًا من ردها الذي طال انتظاره.
فمنذ الأمس وهي لا تتحدث، بعدما عرفت بخبر حمل زوجته الأولى. اتجهت إلى غرفتها، وبدلت ثيابها، ثم دلفت إلى الفراش دون أن تصدر صوتًا.
وها هي تستيقظ على الحالة نفسها.
وقفت أمام مرآة الزينة تصفف شعرها بعدما أبدلت ملابسها استعدادًا للنزول وتناول الإفطار مع العائلة.
ظل سليم يراقبها، محاولًا قراءة لغة جسدها، لكن حركاتها وتعابير وجهها كانت خالية من الحياة.
وعندما وجدها تتجه إلى الباب لتفتحه، اعترض طريقها بجسده وقال بإصرار
مفيش نزول قبل ما نتكلم.
رفعت عينيها إليه وقالت بضيق
مفيش كلام ممكن يتقال يا سليم. في الأول والآخر هي مراتك، وإنت أكدت عليا أكتر من مرة إن ليها حقوق عليك وإنك حتلبيها... وأنا وافقت.
احتد قليلًا وهو يقول
أمال إنتِ عاملة كده ليه؟ عايز أفهمك.
قوست فمها قليلًا وأجابته بامتعاض
زعلانة من نفسي يا سليم... زعلانة أوي من نفسي.
قال بحزن
زعلانة من نفسك عشان حبيتيني؟ مش كده؟
ادمعت عيناها وأجابته
أكيد مش زعلانة عشان حبيتك... لأن ده أجمل إحساس أنا حسيته في حياتي، بس زعلانة إني...
صمتت، فشعر بالخوف.
اقترب منها وسألها
هتسبيني؟ هتخلفي وعدك ليا وتسبيني؟
مسحت دموعها بظهر يدها وأجابته
أنا مش قادرة أبعد... إحنا مختلفين عن بعض في كل حاجة، شخصيتنا وتربيتنا وحياتنا، كل حاجة فيا موجود عكسها فيك.
تحدث بنبرة هادئة
وليه متقوليش إن اختلافنا عشان نكمل بعض؟ كل حاجة مش فيا إنتِ بتكمليهالي.
ابتعدت عنه وجلست على طرف الفراش، تفرك راحتيها معًا، حتى اقترب منها وجلس بجوارها وقال
هتسبيني؟
أومأت بالموافقة وأضافت
إحنا لسه على البر، وكويس إننا يعني...
توقفت لحظة، ثم أكملت بصوت خافت
خلينا ننفصل بهدوء وأرجع لمراتك وابنك. إنت أكيد عارف ومتأكد إني مستحيل أقبل أكون الست اللي أخدت أب من بيته وعياله. عمري ما هعمل اللي اتعمل فيا زمان.
تجمدت تعابيره، وحاول أن يستدعي قوة زائفة، ثم قال
يعني؟
أجابته دون تفكير
نتطلق.
حرك وجهه إلى الجانب الآخر محاولًا التماسك، وابتلع ألمه، ثم أومأ لها
حاضر... هعملك اللي إنتِ عايزاه، لأن مبقتش قادر أحارب في كل الجبهات دي لوحدي، والمفروض إني لما أنتصر أرتاح... مش أرجع أحارب في جبهتك إنتِ كمان يا جنة، لأن أكيد هطلع من الحرب دي خسران.
نظر إليها بحسرة وألم، وأضاف
أنا دايمًا حاطط لنفسي خطوط حمرا عمري ما اتعديتها عشان تربيتي ومبادئي، حتى لو إنتِ شايفاني إنسان مش كويس، بس...
صمت لشعوره بغصة تؤلم حلقه، ثم أكمل
أنا عمري ما عملت حاجة تغضب ربنا، والحمد لله، وعلى قد ما أقدر بحاول أرضيه. ويعني لما كنت بعيش مع قمر كنت بحاول أرضي ربنا، مش مجرد رغبة زي ما إنتِ فاكرة.
زفر بحنق وأكمل
ولما كنت بتعامل معاها كويس، مكنش هدفي رضاها أو حبها، لكن كان هدفي رضا ربنا، يعني المعاملة بالحسنى حتى لو مبحبهاش.
صمت قليلًا ثم تابع
حتى لما خانت ثقتي وخانت البيت اللي عايشة فيه، مقدرتش أغلطها. من جوايا كنت حاسس بالذنب من ناحيتها، وحاسس إني السبب في اللي حصل، لأنها عرفت بحبي ليكي من أول ليلة قضيتها معاها.
رفع عينيه إليها
ولحد عندك، مش بس تخطيت القوانين والخطوط الحمرا اللي حاططها لنفسي، ده أنا كمان عملت حاجة عمري ما كنت أتخيل إني أوصل ليها، وكل ده عشانك.
سكت لحظة، ثم قال بألم
ومع ذلك في كل محطة بنقف فيها بتسبيني وتمشي.
تلوّت من الألم الذي شعرت به في قلبها، لكنها لم تفهم ما يقصده، فسألته
عملت إيه عشاني؟
نظر إليها طويلًا، ثم قص عليها تفاصيل ما فعله بعصام، لكن دون الدخول في تفاصيل العقاب، فسادت الصدمة على ملامحها.
هتفت بحدة
إزاي تعمل كده؟ ده تصرف خطير ومش مسموح بيه لا في الطب ولا في الدين!
احتدت نظراته تجاهها
أنا عارف، على فكرة. بس اللي إنتِ متعرفيهوش إن البني آدم ده له ضحايا كتير، واللي حصل له كان نتيجة أفعال هو ارتكبها في حق ناس ضعيفة.
تخوفت قليلًا وقالت
افرض عمل بلاغ واتهمك فيه؟ إنت متخيل إيه اللي ممكن يحصل ساعتها؟
ابتسم قليلًا محاولًا طمأنتها
متخافيش... هو مش هيكون حابب يفتح الموضوع، خصوصًا بعد كل اللي اتكشف عنه.
انهارت باكية، فجلس إلى جوارها وحاول تهدئتها
اهدى... اللي حصل حصل، مش عايزك تشغلي بالك بحاجة، خلينا في نفسنا.
رفع عينيه إليها وقال
فكري كويس قبل ما تتسرعي في قرارك. أنا مش هقدر المرة دي أمنعك... من الآخر يا جنة، تعبت واستسلمت.
سحب نفسًا عميقًا وأكمل
مش قادر خلاص، واللي هتطلبيه هعمله من غير نقاش... عشان كده فكري كويس.
ركزت بصرها ناحيته وقالت بتأكيد
أنا مستحيل أتسبب في خراب البيوت، وبما إني غلطت فلازم أدفع التمن.
شعر بإصرارها فقال بضعف
أنا كده كده هطلق قمر يا جنة... مبقاش ينفع نكمل بعد اللي هي عملته.
سألته بفضول
عملت إيه؟ بلاش تلاكيك يا سليم، ربي ابنك بينك وبين أمه... اسمع مني، الطفل اللي بيتربى بعيد عن أبوه بيكون إنسان غير سوي.
ابتسم لحرصها على الطفل وقال
لا، ابني هيتربى معايا، متقلقيش من الناحية دي. لأن في عرفنا وقت الطلاق الراجل بياخد عياله.
زفرت بضيق
إنت فاضي لكده؟ هتاخد ولادك تربيهم بعيد عن أمهم وإنت طول الوقت مسافر؟ إنت كده بتعاقبها ولا بتعاقب ولادك؟
تضايق من مماطلتها فقال
إنتِ عمالة تتكلمي عن ولادي وبيتي وكأني خلاص نفذت، وبعدين خلينا في نفسنا ومشاكلنا دلوقتي، وخدي وقتك وفكري وعرفيني قرارك يا جنة.
حاولت إخفاء مشاعر الحزن بداخلها حتى لا تؤثر على أبيها، ورسمت سعادة مصطنعة على وجهها، ولكن الأمر لم يدم طويلًا بعدما أصر سليم أن تتخذ قرارها، فقد سئم الانتظار والمجاهدة.
استيقظت كعادتها وبدأت بروتينها اليومي، بينما كان سليم لا يزال في الفراش يشعر بالخمول والكسل، لكنه ما إن وجدها تستعد للنزول حتى استقام في جلسته، وظل يرمقها بنظرات تحمل الكثير من الألم والرجاء.
هتف مناديًا
جنة.
التفتت تنظر إليه، فاتجه ناحيتها
وقال بصوت خافت
أنا بحبك أوي.
رفضت الاستجابة لرومانسيته، وقالت بحدة
أنا كنت عايزة أعرف كل المصاريف بتاعة الفرح وتذاكر السفر عشان...
قاطعها بضيق
عشان تدفعيهم؟ إنتِ سامعة نفسك؟
أجابته بتأكيد
آه، وفيها إيه؟ إنت اتكلفت مبالغ كبيرة جدًا وأنا ميرضنيش إنك تدفعهم لوحدك، على الأقل أساهم معاك.
ضحك ساخرًا، وحرك رأسه يمينًا ويسارًا، ثم قال بصوت هادئ يخفي خلفه غضبًا وألمًا
الله يهديكي يا حبيبتي... انزلي يا جنة عشان نفطر.
اتجهت إلى باب الجناح لتخرج، لكنها التفتت ناحيته وقالت بتصميم
أنا أخدت قراري، وحبلغ بابا النهارده بيه.
اشتعل الحزن في عينيه، ومعه شعوره بالاستسلام، فلم يجادلها أكثر، ولم يجد بدًا من الرضوخ لقرارها.
نزل هو الآخر بعدما أبدل ملابسه، فوجد جدته تجلس على مائدة الطعام في انتظاره. جلس على رأس المائدة بعدما قبل جبينها وكفها، ثم جلست جنة على يساره، وبجوارها والدها الذي انتبه إلى نظرات الحزن التي تشع من عينيهما.
سأل محسن بفضول
مالكم يا ولاد؟ شكلكم مضايقين.
صدقت شادية على حديثه
فعلًا، بقالهم كذا يوم كده.
ثم نظرت إلى جنة تشاكسها قائلة
من ساعة ما سليم نزل الشغل وإنتِ زعلانة، بس إنتوا أكيد هتكملوا شهر العسل، بس برده يخلص الشغل اللي وراه... ولا إيه؟
ظل سليم صامتًا، بينما شعرت جنة أن عليها أن تنهي الأمر بنفسها.
قالت بحزن
أنا... أنا أخدت قرار في حاجة ومحتاجة دعمكم فيها.
ترقب محسن حديثها وهو يربت على يدها
خير يا بنتي؟
عادت إلى الصمت، فخرج سليم عن هدوئه المزعوم وقال بحدة
قررت إننا نطلق.
انتفض محسن من جلسته مفزوعًا، وارتبكت شادية بالمثل، قبل أن يهتف محسن بصياح
إيه لعب العيال ده؟ إنتوا اتجننتوا ولا إيه؟ طلاق بعد أقل من أسبوعين جواز؟ ليه؟ إيه اللي حصل؟
بكت جنة وتلعثمت بعدما شعرت بغصة تخنق صوتها، فهتف سليم موضحًا
قمر حامل، وجنة رافضة تكمل الجواز بعد الوضع الجديد.
تحولت أنظار الجميع إلى سليم، فسأله محسن
إنت مش قلتلي إنك عامل حسابك كويس و...
قاطعه سليم
أنا نفسي مستغرب ده حصل إزاي، بس في النهاية حصل، ومعنديش اعتراض على إرادة ربنا.
أطرق محسن رأسه وأسندها بين راحتيه، يشعر وكأن عالمه كله يتصدع.
ابنته كانت كل عالمه.
تنهد بحيرة، فهتف سليم
أنا آسف يا عمي، مش بإيدي. وبحاول أفهمها إن جوازتي التانية انتهت، وإن عمري ما هقدر أكمل معاها، بس هي مصرة على اللي في دماغها.
صاح محسن يوبخه
واخد الجواز لعبة؟ تطلق جنة بعد أسبوعين، وتطلق مراتك بعد ما حملت منك؟ مكنتش مفكرك كده أبدًا.
نظر إليه سليم بخزي وقال
وبنتي ذنبها إيه؟ تخرج من الموضوع ده مطلقة؟
حاول محسن السيطرة على غضبه، لكن صدمته كانت أكبر من قدرته على التفكير بهدوء.
أما جنة، فحاولت تهدئة والدها وقالت دون أن تدرك وقع كلماتها
أنا لسه بنت يا بابا، لو ده اللي مضايق حضرتك؟
وقفت شادية ورددت بفضول
لسه بنت إزاي؟
توقفت جنة عن الكلام، ونظرت إلى سليم الذي بدا مذهولًا من تصريحها.
فقد أدرك الجميع أن زواجهما لم يكتمل بالصورة التي ظنوها.
هتفت شادية بحدة
ما تفهموني إيه اللي بيحصل؟
أجاب سليم بخجل
أبدًا يا جدتي... أنا لقيتها مترددة وخايفة، ومحبتش أضغط عليها.
أنقذها هاتفها عندما صدح رنينه، فابتعدت قليلًا وأجابت
إزيك يا خالتو؟
جاءها صوت خالتها متعبًا ومضطربًا
أيوه يا جنة... إنتِ لسه في مصر؟ أقصد في القاهرة يعني؟
أجابتها برهبة
أيوه... مالك؟ مامي جرالها حاجة؟
ابتلعت خالتها لعابها بتوتر وقالت
متخافيش، هبة كويسة... بس عصام الشاطر انتحر.
تجمدت جنة في مكانها، ثم جلست على المقعد وقد تهدلت كتفاها.
تقدم سليم إليها بعدما شعر بالقلق، ومد يده ليأخذ الهاتف منها.
سمع خالتها تقول
عصام انتحر... وأمها منهارة، وأنا على ما أجي من إسكندرية هتأخر، فبعد إذنك يا سليم خلي جنة تقف جنب أمها.
ابتلع سليم ضيقه، وأجابها بالموافقة.
ثم انحنى أمام جنة وقال بهدوء
قومي عشان أوديكي لمامتك.
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالدموع، ولم تقل شيئًا.
كانت هناك كلمة واحدة تدور في عقلها
أنت السبب.
لكنه لم يسمح لنفسه أن يجيبها قبل أن يعرف الحقيقة كاملة.
من بين تحقيقات النيابة ومحاضر الشرطة، وبعد فحص الجثة، بدأت القضية تأخذ منحى آخر.
كانت زوجته قد عثرت عليه فاقدًا للحياة، فتم إبلاغ الشرطة التي باشرت إجراءاتها على الفور.
وبعد الفحص والتحقيق، بدأت الجهات المختصة في الكشف عن حقائق صادمة تتعلق بحياة عصام الشاطر، وظهرت شهادات لعدد من الضحايا الذين تعرضوا لأفعال مشينة منه.
تمت مداهمة المكان الذي كان يستخدمه لإخفاء بعض الأدلة، وأسفرت التحقيقات عن ظهور معلومات جديدة حول جرائمه القديمة.
أما تفاصيل ما حدث له قبل وفاته، فلم تستطع التحقيقات الوصول إلى الفاعل الحقيقي.
وظلت القضية مفتوحة، بينما تم تسليم الجثمان إلى أسرته لإتمام مراسم الدفن والعزاء.
كل هذا وجنة ترافق والدتها بأحزانها، ولم تتركها لحظة واحدة.
بعد مراسم الدفن والعزاء، جلست جنة تحتضن والدتها، التي ظلت تبكي وتنتحب فقدان زوجها العزيز، وهي تردد بقهر
عمره ما زعلني... طول خمستاشر سنة جواز، كان الزوج والأخ والحبيب. أنا مش مصدقة اللي بيتقال عليه.
بكت وعادت تتحدث
هي ليه الناس وحشة كده؟ أول ما الواحد يموت، الكل ينهش في لحمه.
صمتت جنة، فلم تجد الكلمات المناسبة التي يمكن أن تواسي بها والدتها.
فحتى بعد ظهور الحقائق أمام الجميع، ظلت والدتها عاجزة عن تصديق أن الرجل الذي عاش معها سنوات طويلة كان يخفي عنها وجهًا آخر.
عادت جنة برفقة سليم إلى فيلته بعد ثلاثة أيام قضتها إلى جوار والدتها، وهي تشعر بثقل الأيام الماضية فوق كتفيها.
فور أن دلفت إلى المنزل، احتضنها والدها واعتذر منها
حقك عليا... مقدرتش أقف معاكي في العزا، بس...
صمت، ففهمت غصته تجاه الأمر الحساس.
تنهدت بتعب وقالت
أنا محتاجة أنام، بعد إذنكم.
صعدت إلى جناحها، وتبعها سليم.
ما إن دلفا حتى جلست على طرف الفراش، بينما وقف أمامها عاجزًا عن معرفة ما يمكنه قوله.
ثم قالت وهي تبكي
أصعب أيام عدت عليا... لو تشوف مامي وهي بتتكلم عنه، تفتكرها بتتكلم عن ملاك نازل من السما.
قال سليم بهدوء
حبها ليه خلاها مش شايفة مساوئه.
نظرت إليه بحزن وتأنيب
إحنا شايلين الذنب ده يا سليم... أنا وإنت السبب في موته.
رفض حديثها بعصبية
إحنا مش السبب. هو اللي اختار نهايته، وهو المسؤول عن أفعاله.
زفرت بضيق واختناق، فجلس إلى جوارها وقال بصوت أكثر هدوءًا
بحبك أوي يا جنة... اليومين اللي فاتوا عرفت فيهم حاجات كتير، وكانت سبب إني أفقد الثقة في نفسي وفي اللي حواليا. عشان كده أنا محتاجك جنبي.
نظر إليها برجاء
متبعديش عني.
نظرت إليه بعينين حزينتين، لكنه استطاع أن يرى في عينيها شيئًا لم يره منذ أيام.
قال لها
أنا ضايع من غيرك... ومحتاجك.
حركت رأسها باعتراض.
فقال
كل ده بسبب حمل قمر؟
لم تجبه.
فأضاف
ولو قلتلك إنها مش حامل؟
اتسعت عيناها بدهشة، وسألته بفضول
إزاي؟
قص عليها سليم ما أخبره به سليمان، بعدما نقل له ما عرفه من زوجة جابر، شقيق قمر الأكبر.
استمعت جنة في ذهول، ثم قالت
ممكن واحدة تعمل حاجة زي دي؟ وتكذب بالشكل ده؟
أجابها
عارف إني بعرف أقرأ لغة الجسد؟ أنا بقدر أفهمك بسهولة لأنك واضحة ومش خبيثة، وحتى الشخص الخبيث
بقدر أتعامل معاه وأفهم تصرفاته. بس هي الوحيدة اللي فعلًا كنت عاجز أقرأها.
سألته بحيرة
واتأكدت من الكلام ده؟ مش يمكن تكون لعبة من مرات أخوها عشان مش بتحبها، أو حتى عشان تحمي جوزها زي ما قلت؟
أومأ موافقًا
عملت حساب كل حاجة، وسليمان بقاله يومين بيتابع الموضوع. بس أنا لازم أسافر البلد عشان أعرف الموضوع بنفسي وأتأكد.
تحولت نظراته إلى الغضب، وقال بلهجته الصعيدية الحادة
عشان لو طلع الكلام ده صح... يبقى هي اللي حكمت على نفسها.
تراجعت جنة قليلًا عندما رأت التحول المفاجئ في ملامحه.
لاحظ خوفها، فعاد صوته هادئًا
متخافيش... أنا مش هأذيكي.
ثم أضاف
بس لازم أعرف الحقيقة.
وصل سليم إلى مسقط رأسه في الوقت المناسب، بعدما استطاعت قمر التأثير على والدتها وإقناعها بأن ما تريد فعله لمصلحتها، وأنها في النهاية تريد الحفاظ على زواجها، كما ضغطت على نقطة ضعفها، وهي خوفها من فتح باب الثأر من جديد.
وافقَت الأم في النهاية.
علم سليمان من زوجة جابر بذهاب قمر إلى امرأة سيئة السمعة، فقرر تتبعها برجاله.
وصل إليها قبل أن تتم ما كانت تخطط له، وحاصر المكان وأوقف الموجودين فيه، ثم انتظر وصول سليم.
دلف سليم إلى المنزل المهترئ، فوجد قمر في حالة ارتباك شديدة، بينما كانت الأدلة التي عثر عليها سليمان كافية لإثارة الشكوك حول ما كانت تخطط له.
اقترب منها، ثم اصطحبها معه بالقوة وأعادها إلى منزل والدها.
وما إن وصل إلى منزل عائلة الحديدي حتى أنزلها أمام والدها.
فزع تهامي من منظر ابنته، وصاح في سليم
إيه اللي إنت بتعمله ده يا سليم؟ إنت جد كده كارهها؟
نظر إليه سليم بامتعاض وقال
قبل ما تحاسبني... شوف بنتك كانت فين وبتعمل إيه؟
نظر تهامي إلى ابنته، ثم عاد ببصره إلى سليم وصاح
مهما كان ميصحش تعمل كده في مرتك! وخصوصًا إنها حبلى.
ضحك سليم بسخرية، ثم قال
اسألها هي الأول كانت فين وبتعمل إيه؟ وبعد كده ابقى تعالى حاسبني يا سيد الرجال.
توجهت أنظار الجميع إلى قمر، يتساءلون في حيرة عن سبب حديثه بهذه الثقة.
انحنى تهامي أمام ابنته وقال
عملتي إيه يا جمر؟ انطقي يا بنتي!
تدخلت زوجة جابر، وقصت عليهم ما عرفته، وسط ذهول الجميع ومحاولة قمر إسكاتها.
نظر سليم إلى قمر وقال
ها... إيه رأيك في الكلام ده؟
هتف تهامي بسخرية
مش لما يبقى حقيقي الكلام ده؟
لمعت عينا سليم بغضب، ثم نظر إلى قمر وصاح
قولي لأبوكي كنتِ فين؟ وإيه اللي كنتِ بتعمليه؟
تلعثمت قمر، وبدأت تبكي وهي تطلب الصفح من أبيها، ثم صرخت في زوجة أخيها
كله منك إنتِ يا وش النصايب!
لم يصدق تهامي ما يسمعه.
رفع عينيه إليها، وقال بصوت مرتجف من الصدمة
بنتي أنا... كانت بتعمل كده؟
لم تجبه.
وفجأة دوى صوت طلقات نارية.
ساد الذهول المكان.
سقطت قمر أرضًا مصابة، كما أصيب والدها أيضًا.
صرخت النساء، واندفع الجميع في حالة من الفوضى.
انحنى سليم سريعًا لمساعدة قمر، ثم صرخ في سليمان
بسرعة يا أخوي... الحاج تهامي اتصاب هو كمان!
وبالفعل حمل سليمان والده بصعوبة، بينما تولى سليم مساعدة قمر، وهرعا جميعًا إلى المشفى القريب لمحاولة إنقاذهما.
بعد مرور ساعات من المحاولات الطبية لإنقاذهما، خرج الطبيب وهو يهز رأسه بأسف
إحنا لحقنا المصابة، لكن الحاج بسبب كبر سنه والإصابة اللي حصلت له مقدرناش ننقذه... أنا آسف، والبقاء لله.
خرجت صرخة مدوية من زوجته.
أما جابر، فسقط على الأرض منهارًا، وقد أدرك حجم الكارثة التي تسبب فيها دون قصد.
لم يكن يقصد إصابة والده، لكن لحظة الغضب أفقدته السيطرة.
اجتمعت الشرطة وألقت القبض عليه، واتهمته بالتسبب في وفاة والده وإصابة شقيقته، لكن شهادة الموجودين جاءت في صالحه، بعدما أكدوا أن ما حدث كان نتيجة خطأ أثناء حالة الفوضى.
وفي النهاية، أُثبت أن الإصابة القاتلة جاءت نتيجة طلقة خرجت بصورة غير مقصودة أثناء الاشتباك.
ظل سليم في المشفى برفقة قمر حتى شفيت تمامًا، ثم خرجت لتحضر عزاء والدها الذي جاء متأخرًا بسبب الأحداث التي مرت عليهم.
وبعد انتهاء العزاء، وقف أمامها سليم ينظر إليها بحزن، وقال
تعرفي يا جمر إن أنا دايمًا كان عندي تأنيب ضمير من ناحيتك، مع إني اتظلمت في الجوازة دي زيك بالضبط، بس في النهاية أنا راجل ولازم أتحمل.
زفر بقوة، ثم تابع
عذرتك لما كذبتي عليا في حكاية منع الحمل، وعذرتك لما خنتي البيت اللي إنتِ عايشة فيه وطلعتي سرنا بره. قلت في الآخر إنها اتظلمت، وإن ده كان رد فعل للي حصل معاها.
أطرق رأسه، محاولًا السيطرة على غضبه
ورجعت عذرتك لما صوتك عليا وغلطتي فيا وفي أهلي، وقلت من حرقتها... بس...
صمت لحظات، ثم رفع عينيه إليها وقال بحسم
لحد هنا كفاية يا جمر. الموضوع عدى كل الحدود.
حاولت أن تدافع عن نفسها، لكنه أوقفها بصوت حاسم
خلاص... مش عايز أسمع تبرير.
ثم قال بوضوح
إنتِ طالق يا جمر.
نظر إليها للحظات، ثم أكمل
وأنا كده عملت اللي عليا. استنيت لحد ما طِبتي، واستنيت لما عزا أبوكي خلص، لكن العيشة بينا انتهت لحد كده. وورقة طلاقك هتوصلك.
خرج من منزل عائلة الحديدي بعدما أغلق تلك الصفحة من حياته نهائيًا، أو هكذا ظن.
عاد إلى القاهرة استعدادًا للمغادرة إلى الولايات المتحدة، حتى يلحق بزوجته جنة التي سافرت برفقة والدها.
يتبع...
الفصل 22
يبلغ الحب القمة... متى تنازلت المرأة عن عنادها والرجل عن كبريائه، وقد تنازلت أنا عن كبريائي، أفلا تتنازلين أنتِ عن عنادك؟
أريد أن أعيش نعيم حبك، وإن أردت أن أتحدث عن نعيم الحياة فسأبدأ بكِ، فأنا لم أقع في حبك... ولكن وقع العالم من عيني حين أحببتك.
وحتى إن كان حضني بعيدًا عنك، سأحتضن روحك إلى أن نلتقي، وحين نلتقي سأظل إلى جوارك حتى أشعر أنني امتلكت الدنيا بأكملها.
استقبله مراد كعادته على أبواب المطار، وصافحه بحرارة وربت على كتفه مواسيًا إياه على ما عاناه؛ فهو صديقه ورفيق دربه، ويعلم كل كبيرة وصغيرة مر بها.
تنحنح مراد بحرج وهتف
الشغل كله ماشي تمام و...
صمت، فنظر له سليم بمعنى هات ما عندك، فأنا أعلم جيدًا ما ستقوله.
فأكمل
جنة قاعدة في بيت باباها، وروحت بلغتها بميعاد وصولك بس...
عاد إلى الصمت، فتنهد سليم بحزن وأردف
وديني عندها يا مراد... خلاص مبقتش قادر. لازم نحط النقط على الحروف وأعرف هي عايزة إيه؟
زفر مراد بحنق حزنًا على حال صديقه، وهتف مستنكرًا
أنا مش فاهمها يا سليم... مفيش واحدة بتحب واحد بتعمل معاه كده. أنا بصراحة ساعات بحس إنها مش بتحبك، وإن كل الحكاية إنك عرفت تشغلها وبس.
أومأ سليم مؤيدًا حديثه، وقال
ده اللي أنا اكتشفته يا مراد... جنة محبتنيش. جنة حبت الأحاسيس اللي أنا عيشتهالها، وأنا عارف ده وراضي بيه، بس خلاص مش قادر أكمل.
صمت قليلًا، وترقرقت عيناه بالعبرات، ثم هتف بندم
يا ريتني ما قابلتها... كنت سعيد وقتها. على الأقل كنت عارف أحلم إنها بتحبني زي ما بحبها، لكن اللي حصل إن بعد ما قابلتها حبيتها أكتر واتعلقت بيها أكتر، وهي... هي بعدت عني أكتر، ووجعي بقى أكبر وأكبر.
زفر مراد أنفاسه بضيق، وقاد السيارة متوجهًا إلى منزل محسن.
هناك، وما إن فتحت جنة الباب ورأته أمامها، حتى تجمدت للحظات، فقد فوجئت بوجوده رغم علمها بموعد عودته.
ظل واقفًا ينتظر دعوتها للدخول، لكنها لم تتحدث، فهتف بنبرة شبه هامسة
مش حتقوليلي اتفضل؟
انتبهت لنفسها، وأدركت أنهما لا يزالان يقفان أمام الباب، فتنحت جانبًا وأشارت بيدها وهي تهتف بترحاب
طبعًا... اتفضل.
جلس على الأريكة العريضة، وجلست أمامه وهي تضم ركبتيها وتفرك راحتيها معًا.
فهتف
أستاذ محسن مش موجود ولا إيه؟
أومأت له وأجابت
في الشغل... بيحاول يحل المشاكل مع أونكل يحيى.
بلل شفتيه بطرف لسانه، وسعل قليلًا ليزيل حشرجة صوته، ثم ردد
ممكن كوباية مية؟
انتفضت ذاهبة إلى المطبخ، بينما ظل هو في مكانه هذه المرة، يراقبها بصمت.
عادت تحمل

تم نسخ الرابط