اقتحمت حياتي اسماء المصري

لمحة نيوز

كوب الماء، فأخذه منها وارتشف بضع قطرات، ثم وضعه على الطاولة.
حاول أن يخفف من حدة الموقف، فسأل
أنيتا إجازة ولا إيه؟
حركت رأسها بمعنى نعم، وظلت واقفة تنظر إلى الأرض بارتباك.
فسألها
وحشتيني أوي؟
رفعت عينيها إليه للحظات، ثم قالت بابتسامة مقتضبة
وإنت كمان.
ابتسم ابتسامة خفيفة وهتف
ومالك بتقوليها من تحت ضرسك ليه كده؟
ارتسمت ابتسامة رقيقة على شفتيها، وأجابته
لا أبدًا... إنت عامل إيه؟
أجابها بإيجاز
أعتقد إن مراد كان بيوصلك كل حاجة أول بأول.
أومأت بنعم، فهتف
يعني عارفة إني طلقت قمر؟
أجابته
أيوه.
صمت للحظات، ثم قال
ومع ذلك مجتيش تستقبليني في المطار.
أطرقت رأسها إلى أسفل، فتضايق من صمتها، وسألها مباشرة
إنتِ عايزة إيه يا جنة؟ لسه مصرة على الطلاق؟
أومأت بنعم.
عندها خرج سليم عن طور هدوئه الزائف الذي حاول التمسك به، وهدر وهو يحرك يده بحدة وعصبية، فاصطدمت يده بالكوب الزجاجي فسقط وتهشم على الأرض.
ردد وهو يصيح
مفيش فايدة... طول الوقت بقنع نفسي إنك حتحبيني حتى ربع ما أنا بحبك، بس الظاهر إنه حلم بعيد أوي.
اتجه ناحية المكان الذي سقط فيه الكوب، وانحنى يجمع قطع الزجاج بحذر.
حاولت إيقافه
سيبها، أنا هشيلها.
لكنه أصر على جمعها بنفسه، حتى انتهى من تنظيف المكان، ثم اعتدل في وقفته ونظر إليها بخزي.
على العموم أنا مكانش ينفع أطلقك إلا لما القسيمة تطلع.
أخرج من جيب سرواله ورقة مطوية، ثم وضعها أمامها.
أنا استلمت القسيمة من المأذون ووثقتها في الخارجية... كده أقدر أطلقك رسمي يا جنة.
وضع عقد الزواج أمامها، ثم قال
دي نسختك، وشوفي إمتى حيكون مناسب معاكي نروح السفارة ونخلص إجراءات الطلاق.
اعتدل في وقفته، وهندم سترته، ثم قال بنبرة حاسمة
حستنى مكالمتك عشان تبلغيني بالميعاد المناسب.
اتجه ناحية الباب عازمًا على المغادرة، لكنه فور أن فتحه تقابل مع محسن، الذي لمعت عينه فور أن رآه، وقال بمودة
أهلًا يا بني... حمد لله على السلامة، أمال إنت رايح فين كده؟
حرك سليم رأسه باستسلام، وقد نفد صبره، وهتف
شوف بنتك عايزة إيه وأنا حنفذه... أنا مبقاش عندي طاقة للمناهدة.
تضايقت جنة من حديثه، فهتفت بحدة
محدش أجبرك على حاجة على فكرة... إنت طول الوقت محسسني إنك تعبان معايا وبتبذل مجهود خرافي عشاني، يبقى على إيه؟ خلاص يا سليم، كل واحد فينا يروح لحاله عشان تبطل مناهدة.
أنهت حديثها بتهكم صريح، مما أخرجه من هدوئه الزائف، فصاح بحدة
تمام يا جنة... موافق. موافق على كل حاجة. موافق نسيب بعض، وموافق إنك تقنعي نفسك إن أنا السبب في كل حاجة وحشة حصلت، وموافق تحمليني أسبابك في الطلاق.
زفر بغضب، واحتراق قلبه ظهر جليًا على ملامحه، ثم أردف
بس اللي مش موافق عليه... إنك تضحكي على نفسك وتضحكي عليا بإنك حبيتيني، لأنك محبتنيش يا جنة.
اختنق صوته وهو يحاول إخفاء غصة بكائه.
لأنك لو حبيتيني... مكانش هيبقى سهل عليكي كل شوية تسبيني.
حاولت مقاطعته، لكنه لم يمهلها الفرصة وتحدث بغضب
للأسف أنا اكتشفت الحقيقة دي متأخر، بس معلش... ومش ندمان على حاجة.
صمت، ونظر إلى عينيها، ثم أكمل بحزن
ندمان بس إني معرفتش أخليكي تحبيني يا جنة.
ابتلع غصته، ومسح بيده على وجهه ليخفي ألمه، واستطرد
وبتمنى إن الزمن يرجع لورا شوية. كنت مش هقرب بالشكل ده... يمكن الوجع اللي حاسس بيه دلوقتي كان هيبقى أقل بكتير.
تنهد بعمق، واتجه ناحية الباب عازمًا على المغادرة، فأوقفه صوتها
أنا خايفة.
توقف والتفت إليها منتظرًا أن تكمل حديثها.
خايفة أوي... خايفة أقرب أتوجع، وخايفة أبعد أتوجع أكتر.
صمتت لحظة، ثم تابعت
خايفة منك وخايفة عليك.
أغمضت عينيها تستجمع شجاعتها، ثم قالت
وأوعى تقول إني محبتكش دي تاني، لأن أنا عمري ما حبيت غيرك يا سليم.
تغيرت ملامحه فور سماعه اعترافها، وظل للحظات غير قادر على استيعاب كلماتها.
اقترب منها بخطوات ثابتة، لكنه توقف على مسافة تحفظ لها ارتياحها، ثم سألها بصوت منخفض
بتحبيني؟
أومأت بتوتر.
نظر إليها طويلًا، ثم قال
مش مصدقك... أثبتيلي.
ابتسمت بخجل، وقالت
إنت مش بتعرف تقرأ لغة الجسد؟ شايف إيه؟
ابتسم للمرة الأولى منذ دخوله المنزل، ثم قال
أنا عايز أفعال مش كلام يا جنتي... اللي بيحب حد بيحاول يسعده ويرضيه.
شاكسته برقة
وكلمة بحبك مش كفاية؟
ضحك بخفة، ثم قال
كفاية... بس كنت محتاج أسمعها منك.
تنفست براحة، ثم قالت
بحبك يا سليم.
أغمض عينيه للحظة، وكأنه استعاد شيئًا كان على وشك فقدانه.
وفي تلك اللحظة، لم يعد بحاجة إلى المزيد من الكلمات.
خرج محسن من الغرفة المجاورة بعدما أدرك أن حديثهما يحتاج إلى بعض
الخصوصية.
وبعد قليل، عاد الهدوء إلى المكان.
قال سليم وهو يحاول استعادة جديته
حتيجي معايا الفندق؟
حركت كتفيها بالرفض، وقالت
مش اتفقنا حنشتري بيت نعيش فيه؟
حرك رأسه موافقًا
أيوه.
أضافت ببساطة
لحد ما نشتريه... هنقعد هنا مع بابا.
تنهد سليم، ثم ابتسم وهو يقول
ماشي يا جنة.
بعد مرور شهرين...
دلف سليم إلى منزله بعد يوم طويل وشاق، فوجد جنة تقف في المطبخ تجهز العشاء.
اقترب منها، ثم التقط بعض الطعام الموضوع أمامها، فضربته بخفة على يده وهي تردد
استنى لما أجهز السفرة.
تحرك ناحية الأطباق ليساعدها في تجهيزها ووضعها على المائدة، ثم سألها
خلصتي الشفت بتاعك بدري النهارده؟
أجابته بتلبك
آه... كنت واخدة إذن عشان أطلع بدري.
نظر إليها من خلف عينيه هاتفًا بتساؤل
روحتي الجلسة؟
تلعثمت قبل أن تجيبه
أاا... أصل...
تغيرت ملامحه، واتجه ناحية الدرج حتى يصعد إلى غرفة النوم، بينما تبعته محاولة الشرح له
اسمعني طيب.
هدر بحدة
أسمع إيه؟ الجلسة رقم كام دي اللي تفوتيها؟ كل مرة أروح بنفسي العيادة وأحجزلك عشان إنتِ مش عايزاني أحضر معاكي، بس إنتِ مش عايزة تتعالجي أصلًا يا جنة.
رددت بخزي
لو مش عايزة أتعالج مكنتش قبلت أروح من الأساس.
ضحك بسخرية، ثم قال
من ساعة ما اتفقنا إنك تروحي تتعالجي... روحتي كام مرة؟
ضربت الأرض بقدمها كالأطفال وهي تهتف بتذمر
أنا مش شايفة إن العلاج النفسي هو اللي حيخلينا سعدا مع بعض، ومش لاقية علاقة بين إني أفضل أحكي عن ماضي كل ما أفتكره نفسيتي بتتدمر، وبين إن ده حيحل المشكلة اللي عندي.
ردد ساخرًا
لا، وإنتِ ما شاء الله دكتورة وفاهمة كويس في الطب النفسي.
نظرت له بامتعاض
أفضل إنت اقلب كل حاجة هزار.
اقترب منها وقال باستنكار
مش أحسن من الوضع اللي إحنا فيه؟ على الأقل الهزار بيخليني قادر أكمل.
نظرت إلى الأرض بخجل، وأردفت
قلتلك حتتعب معايا... وإنت وافقت، وقلتلك مش حتمل مني... قلت لا. وقلتلك حيجي يوم وتبقى عايز تبعد، وقلتلي مستحيل.
رفع وجهها بأنامله، ونظر إليها بعشق واهتمام
أنا مستعد أستناكي عمري كله يا جنة... بس أبقى حاسس إنك بتحاولي. لكن متطلبيش مني أصبر وإنتِ أصلًا مش بتعملي أقل حاجة، وهي العلاج.
حاولت الهروب من حصاره بالكلمات، فهتفت بحدة
كل اللي هامك إنك توصلني لحاجة معينة... هو ده الحب والجواز في نظرك؟
تغيرت ملامحه، وزفر بضيق، ثم قال باستسلام
تاني نفس الكلام؟ إنتِ ليه محسساني إني مش طبيعي؟ أنا مش طالب منك غير إننا نعيش حياة طبيعية، وإنك تسمحي لنفسك تتخطى اللي حصل.
صمت لحظة، ثم تابع
أنا مستني من شهور، وكل اللي بطلبه منك إنك تساعديني أساعدك.
خفضت رأسها، وقد بدأ الغضب يهدأ داخلها.
قال بصوت أكثر هدوءًا
أنا مش عايزك تتعالجي عشان أي حاجة تخصني. أنا عايزك تتعالجي عشانك إنتِ، عشان الماضي ده ميفضلش عايش جواكي طول عمرك.
رفعت عينيها إليه، فقال
أنا عايز أشوفك بتعيشي من غير خوف... من غير ما كل موقف يرجعك لسنين فاتت.
ارتجف صوتها وهي تقول
بس كل جلسة بتخليني أفتكر حاجات كنت نفسي أنساها.
أجابها بهدوء
يمكن لأنها لسه مأثرة فيكي. والنسيان مش هو الحل دايمًا... ساعات لازم نواجه الحاجة عشان نقدر نتخطاها.
سقطت دمعة من عينيها، فمسحتها سريعًا.
أنا خايفة أتعب أكتر.
قال بثبات
وأنا هفضل جنبك. بس لازم إنتِ كمان تساعدي نفسك.
ظلت صامتة للحظات، ثم قالت
حاضر... هحاول.
ابتسم ابتسامة صغيرة
أنا مش عايز أكتر من كده.
ثم أضاف محاولًا تخفيف الجو
بس المرة الجاية لو عندك جلسة، متعمليش نفسك نسيتيها.
ابتسمت رغمًا عنها، وهتفت
حاضر يا أستاذ سليم.
ضحك، وقال
أهو كده نتكلم.
انتظمت جنة قليلًا في جلسات العلاج النفسي، وبدأت تتحدث عن سنوات مؤلمة من طفولتها ومراهقتها، وعن أشخاص تجاوزوا حدودهم معها واستغلوا صغر سنها وضعفها.
كانت في البداية تجد صعوبة بالغة في الحديث، وكل جلسة كانت تترك بداخلها أثرًا ثقيلًا.
لكن مع مرور الوقت بدأت تفهم أن ما حدث لم يكن ذنبها، وأن خوفها لم يكن دليلًا على ضعفها، وإنما نتيجة طبيعية لما مرت به.
وفي إحدى الجلسات، نظرت إليها الطبيبة باهتمام وسألتها
قوليلي... إيه أكتر حاجة بتخوفك دلوقتي؟
أطرقت جنة رأسها، ثم أجابت بصراحة
إني أخسر سليم.
وليه؟
تنهدت طويلًا
لأنه الوحيد اللي حسيت معاه إني إنسانة طبيعية... بس في نفس الوقت بخاف أخليه يقرب مني أكتر.
سألتها الطبيبة
وإنتِ واثقة إنه بيحترم حدودك؟
أومأت فورًا
جدًا.
وبيضغط عليكي؟
هزت رأسها بالنفي
لا.
ابتسمت الطبيبة
إذن لازم تفرقي بين الشخص اللي قدامك، وبين الأشخاص اللي أذوكي في الماضي.
رفعت جنة عينيها إليها.
يعني إيه؟
يعني إن عقلك ساعات بيحاول يحميكي من خطر قديم، حتى لو الشخص اللي قدامك مش خطر. العلاج مش إنك تجبري نفسك على أي حاجة... العلاج إنك تتعلمي تحسي بالأمان من جديد.
ظلت جنة صامتة وهي تستوعب كلماتها.
ثم سألت
يعني أنا ممكن أبقى كويسة؟
ابتسمت الطبيبة بثقة
بالتأكيد. بس الموضوع محتاج وقت وصبر والتزام.
أومأت جنة، وللمرة الأولى لم تشعر أن مستقبلها مغلق تمامًا.
عاد سليم إلى المنزل مساءً، فتفاجأ بأن الأضواء خافتة، والطاولة معدة بعناية، والشموع الصغيرة موزعة حول المكان، بينما تناثرت بتلات الورود في أرجاء الغرفة.
توقف للحظات، ينظر حوله بدهشة.
ثم ظهرت جنة من خلف باب الغرفة، مرتدية ثوبًا أنيقًا، وقد اهتمت بمظهرها أكثر من المعتاد.
ابتسم سليم فور رؤيتها.
إيه ده؟
ابتسمت بخجل
مفاجأة.
اقترب منها، لكنه توقف أمامها قائلًا
إنتِ اللي عملتي كل ده؟
أومأت.
آه.
نظر حوله مرة أخرى، ثم قال
طب وأنا عملت إيه عشان أستاهل كل ده؟
ضحكت
ولا حاجة... عشان خاطري بس.
ابتسم بحب، ثم سألها
أخبار جلسات العلاج إيه؟
دارت بعينيها حول المكان، ثم أجابت
إنت شايف إيه؟
شايف إن مراتي عاملة مفاجأة لأول مرة في حياتها.
ضحكت، وقالت
يعني كويس؟
كويس جدًا.
جلسا معًا إلى المائدة، وبدأا تناول العشاء وسط أجواء هادئة.
وبعد فترة من الصمت، قالت جنة
سليم؟
نعم؟
أنا فعلًا بدأت أحس إن فيه حاجة بتتغير.
نظر إليها باهتمام
إيه اللي بيتغير؟
بقيت لما أفتكر حاجات من الماضي... مببقاش بحس إني محبوسة جواها زي الأول.
ابتسم بفخر
شايفة؟
بس لسه بخاف.
والخوف مش عيب.
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت
إنت وعدتني إنك مش هتستعجلني.
أجابها دون تردد
ووعدي لسه زي ما هو.
ابتسمت له براحة، وكأن تلك الجملة وحدها كانت كافية لتطمئن قلبها.
بعد عدة أيام، جلس سليم في مكتبه يتابع بعض الأوراق، قبل أن يدخل عليه مراد.
سليم.
رفع عينيه إليه
في إيه؟
السفر لروما بعد يومين.
أومأ سليم
عارف.
في شوية ملفات محتاجة توقيعك هناك.
أغلق سليم الملف أمامه وقال
خلاص، جهز كل حاجة.
وفي المساء، أخبر جنة بالأمر.
ما إن سمعت حتى تغيرت ملامحها
مسافر روما؟
آه.
ليه؟
تعجب من سؤالها
شغل... عندي شغل هناك.
ضيقت عينيها
شغل إيه بالظبط؟
ابتسم
هو أنا كل ما أسافر لازم أقدم تقرير؟
مش مراد هو اللي بيتابع الشغل هناك؟
صمت لحظة، ثم قال
في شوية حاجات محتاجاني أنا.
ظلت تنظر إليه بشك.
فقال محاولًا طمأنتها
ومش هتأخر.
ثم أضاف
متقلقيش، الرحلة كلها كام يوم وهكون هنا.
ظلت صامتة، لكن شيئًا ما داخلها لم يطمئن.
لم تكن تعرف أن سفر سليم هذه المرة لن يكون مجرد رحلة عمل
عادية.
لم يتخيل أحد أن ذلك الرجل الهادئ الذي عرفته العائلة لسنوات، يمكن أن يتحول في فترة قصيرة إلى شخص آخر تمامًا.
كان جابر الحديدي قد خرج من محنته الأخيرة أكثر قسوة، وأكثر تشبثًا بالسلطة.
بعد ما حدث داخل العائلة، وما ترتب عليه من سجنه لفترة، ثم خروجه بعد تنازل قمر عن قضيتها، وجد نفسه فجأة في موقع لم يكن مستعدًا له أحد.
أصبح هو صاحب الكلمة الأولى.
ومنذ توليه زعامة العائلة، تغير كل شيء.
لم يعد يستشير أحدًا، ولم يعد يتقبل اعتراضًا، وأصبحت قراراته تُفرض على الجميع دون نقاش.
اجتمعت العائلة معه أكثر من مرة، في محاولة لإقناعه بأن يخفف من قبضته، لكنه كان يرى كل نصيحة محاولة للانتقاص من سلطته.
وفي ذلك اليوم، جلس في صدر المجلس متكبرًا، واضعًا قدمًا فوق الأخرى، بينما اجتمع حوله رجال عائلة الحديدي وعائلة الدهشوري الذين أصبحوا يعملون تحت راية واحدة.
نظر إلى الجميع، ثم قال بلهجته الصعيدية
إني جلت كلمتي، والكل لازم يسمعها عاد. عشان نبجى أكبر عيلة في الناحية، وأكبر كمان من عيلة الراوي، يبجى العيلتين لازم يبجوا واحد.
هتف أحد أعمامه باستنكار
إكده ولا إكده عيلة الدهشوري بيشتغلوا حدانا يا ولد أخوي.
رمقه جابر بنظرة ضيقة، وقال
وحيبقوا نسايبنا كمان.
ساد الصمت للحظات.
ثم قالها دون مقدمات
صالح الدهشوري حيتجوز أختي جمر، وأنا حتجوز أخته، وتبجى العيلتين واحد من اهنه ورايح.
ساد الوجوم بين الحاضرين.
فلم يكن أحد يتوقع أن يصل به الأمر إلى هذا الحد.
كانت قمر تستمع إلى حديث أخيها وهي برفقة والدتها وزوجة جابر، التي أخذت تبكي بحرقة وهي تردد
يا مراري... هي دي جزاتي في الآخر؟ ده أني عايشة خدامة تحت رجليك، جاي دلوج تتجوز عليا!
نظر إليها جابر ببرود
وفيها إيه؟ أني راجل ومن حقي أتجوز.
صرخت فيه
حقك لما أكون مقصرة معاك في حاجة!
ضحك ساخرًا
إنتِ بتألفي دين جديد؟ أني جلت اللي عندي.
ثم التفت إلى قمر
كتب كتابي أنا وجمر على ولاد الدهشوري الأسبوع الجاي، ومفيش كلمة تانية حتتجال بعد كلمتي.
رفعت قمر رأسها، وقالت بثبات
إنت حر في حالك يا أخوي... لكن أني محدش حيبيع ويشتري فيا من تاني. بكفاية عاد اللي حصل.
تغيرت ملامح جابر، لكنه لم يقترب منها هذه المرة، واكتفى بأن قال بصرامة
إنتِ عارفة إن العيلة كلها فوق كتفك، وأي قرار تاخديه بيأثر علينا كلنا.
أجابته دون تردد
العيلة عمرها ما كانت حجة عشان الواحد يضحي بحياته.
ضرب جابر بيده على الطاولة
أني مش بطلب رأيك يا قمر، أني ببلغك بقراري.
وقفت أمامه بثبات
وأنا ببلغك بقراري برضه... أنا مش موافقة.
ساد الصمت.
نظر إليها جابر طويلًا، ثم ابتسم ابتسامة باردة لم تطمئنها.
نشوف بقى مين فينا كلمته هي اللي حتمشي.
ثم غادر المجلس.
ظلت قمر مكانها للحظات، تحدق في الباب الذي أغلق خلفه.
كانت تعرف أخاها جيدًا.
وتعرف أن الأمر لم يعد مجرد زواج رتبه من أجل توحيد عائلتين.
كان هناك شيء آخر في رأسه.
شيء لم تستطع فهمه بعد.
لكنها أقسمت في داخلها أنها لن تسمح له بأن يقرر مصيرها مرة أخرى.
في مكان آخر، كان سليم يجلس أمام مجموعة من رجال عائلة ستالون.
كان الاجتماع مهيبًا، والوجوه المحيطة بالطاولة الطويلة لا تحمل أي تعبير.
دخل كبير العائلة وجلس في صدر المجلس، ثم رفع عينيه إلى الجميع.
كان هو الكابو دي نيرو.
قال بصوت قوي
اليوم اجتمعتم لتجديد نذور الولاء لعائلتي ولي بالتحديد... أنا الكابو دي نيرو، كبير عائلة ستالون.
ساد الصمت.
بدأ الرجال واحدًا تلو الآخر في أداء الطقوس المتوارثة التي تؤكد ولاءهم للعائلة، بينما ظل سليم في مكانه يراقب بصمت.
وحين اقترب دوره، لم يتحرك.
انتظر لحظات، ثم مال نحو ستيفانو وقال بصوت منخفض
إنت عارف يا ستيف إني مش محتاج أقول الكلام ده عشان أثبتلك ولائي.
نظر إليه ستيفانو بجدية
دي طقوس مقدسة، وإنت عارف ده كويس.
وإنت عارف كمان إني طول عمري كنت شايفك صاحبي قبل ما تكون الكابو.
تغيرت ملامح ستيفانو قليلًا
متخلينيش أضطر أتعامل معاك باعتبارك واحد من رجالي.
أجابه سليم بثبات
اعمل اللي شايفه صح.
رفع ستيفانو عينيه إليه
بتتحداني؟
لأ.
صمت سليم لحظة، ثم تابع
بس برضه مش حتجبرني أكون شخص مش أنا.
بدأت الهمهمات بين الموجودين.
كان موقف سليم محرجًا للكابو أمام الجميع، وقد أدرك ستيفانو أن ترك الأمر على هذا النحو سيجعل سلطته موضع تساؤل.
نهض فجأة.
سليم... تعال معايا.
لم يعترض سليم.
توجه الاثنان إلى غرفة المكتب، وما إن أغلق ستيفانو الباب حتى انفجر غاضبًا
إنت عملت إيه قدام العيلة دي؟
أجابه سليم بهدوء
قلت رأيي.
رأيك؟! إنت فاكر إننا قاعدين في قهوة؟
صمت سليم.
اقترب ستيفانو منه وقال
أكبر خطأ عملته إنك حطيتني في الموقف ده قدامهم.
لو شايف إني غلطت، عاقبني.
حدق فيه ستيفانو للحظات.
ثم قال
إنت اتغيرت.
ابتسم سليم بسخرية
كل الناس بتتغير.
لأ... إنت تحديدًا.
صمت ستيفانو قليلًا، ثم قال
من وقت ما دخلت جنة حياتك وإنت بقيت شخص تاني.
اشتدت ملامح سليم
متدخلهاش في الموضوع.
رفع ستيفانو حاجبه
أهو ده اللي أقصده.
ضحك ضحكة قصيرة، ثم جلس خلف مكتبه.
عشقك ليها خلاك مستعد تخاطر بحاجات كنت مستحيل تخاطر بيها زمان.
أجابه سليم
يمكن عشان زمان مكنش عندي حاجة أخاف أخسرها.
ساد الصمت.
نظر ستيفانو إليه طويلًا، ثم قال
لو عايز تخرج من العائلة بشكل آمن، فيه حل.
رفع سليم عينيه إليه
إيه هو؟
ابن عمك اللي حكيتلي عنه.
أومأ سليم
أيوه.
ينقل شغلك ويحل محلك رسمي، ويعلن ولاءه للعائلة قدام الجميع.
وبعدها؟
ابتسم ستيفانو ابتسامة غامضة
بعدها تبقى حر.
ظل سليم صامتًا يفكر.
كان ذلك العرض هو الطريق الوحيد الذي يمكنه من خلاله الابتعاد عن تلك الدائرة دون أن يجر عائلته إلى صراع أكبر.
سأل
والمقابل؟
حرك ستيفانو سبابته فوق سطح المكتب، وكأنه يرتب أفكاره
ديه.
قطب سليم حاجبيه
كام؟
ضحك ستيفانو
دي مش فلوس.
ظل سليم ينظر إليه منتظرًا.
فأكمل
شهر كامل.
شهر إيه؟
شهر تشتغل فيه لصالح العائلة.
رفع سليم حاجبه
يعني؟
كل مهمة أطلبها منك تنفذها. من غير مقابل، ومن غير اعتراض.
ظل سليم صامتًا.
كان يعرف أن ستيفانو لا يقدم شيئًا بلا ثمن.
قال أخيرًا
موافق.
ابتسم ستيفانو، لكن ابتسامته لم تحمل أي راحة.
كنت عارف إنك هتوافق.
وقف سليم استعدادًا للمغادرة.
لكن قبل أن يصل إلى الباب، قال ستيفانو
على فكرة...
التفت إليه.
الشهر ده ممكن يغير حاجات كتير في حياتك.
نظر له سليم بشك
تقصد إيه؟
ابتسم ستيفانو بغموض
هتعرف لما نبدأ.
ظل سليم ينظر إليه للحظات، ثم غادر دون أن يرد.
وبمجرد أن أغلق الباب خلفه، اختفت ابتسامة ستيفانو وحل محلها تعبير أكثر جدية.
تمتم لنفسه
نشوف يا سليم... هل فعلًا تقدر تخرج من اللعبة؟
يتبع...
تمسّكوا بأحبتكم جيدًا.... واغفروا زلاتهم، فقد ترحلون أو يرحلون يومًا، وفي القلب لهم حديث وشوق.
جلست تقتات فتاتًا من طعامها بشرود، لاحظه محسن على الفور، فهتف متسائلًا
لسه مكلمكيش؟
أجابته جنة بحزن
لا... أنا قلقانه عليه أوي يا بابي... يا دوب اتكلم أول ما وصل إيطاليا، ومن ساعتها لا حس ولا خبر.
فكر قليلًا، ثم هتف
طيب ما تسألي مراد عليه.
أطرقت رأسها بحزن ورددت
مش بيرد عليا يا بابي.
زفر أنفاسه ببطء وردد
إنتوا كنتوا متخانقين ولا حاجة؟
نظرت له بتوجس وهتفت
قصدك إيه؟
حرك رأسه بإيماءة طفيفة وقوّس فمه وردد
يعني... يكون زعلان مثلًا و...
قاطعته على الفور
لا طبعًا... سليم مش عيل صغير عشان يعمل كده، وبعدين ده كلمني أول ما وصل.
وقفت مكانها تلملم أشياءها استعدادًا للذهاب إلى عملها، وهي تردد بتوتر ملحوظ
أنا اتأخرت على الشفت.... لو كلمني هبقى أطمنك عليه.
ذهبت إلى المشفى، والتقت هناك برفيقتيها، فجلست في حجرة الأطباء تتنهد بضيق، فرددت رايتشيل
ألم يحادثك بعد؟
حركت رأسها بالرفض، فرددت چينفر بسخافة
هل هجرك إذًا؟
نظرت أمامها ببلاهة وخوف، ورددت بهجوم
ما هذا الهراء واللعنة؟ بالطبع لا، لقد سافر لينهي أعماله وودعني، وحتى إنه حدثني فور أن وطأت قدماه روما.
عادت لسخريتها تهتف دون حذر
هذا ما فعله أبي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا... ودعنا وخرج ولم يعد حتى اليوم.
نظرت لها جنة بارتباك وهتفت ببراءة
ربما حدث له شيء!
ضحكت بشدة وهتفت
لم يحدث له شيء عزيزتي، إنه على ما يرام، يعيش مع أبنائه .
توترت أكثر وأكثر، وأخذت تفكر هل تسببت في إبعاده عنها بأفعالها السابقة؟ هل فعلًا تركها بمفردها؟ لا... لا يمكن أن يفعلها.
لمعت عيناها بتوجس مخيف، فدعست رايتشيل على قدم چينفر توبخها في صمت، وبنظرات عينيها تعاتبها على حديثها الأرعن الذي زرع الرهبة في قلب رفيقتها الحساسة.
ابتلعت جنة لعابها بغصة مؤلمة وهتفت بتأكيد
جل ما يخيفني من اختفائه أن يكون في ورطة ما، أو يكون قد حدث له شيء سيئ.
حاولت رايتشيل طمأنتها
لا تقلقي عزيزتي... فالأخبار السيئة دائمًا ما تصل أولًا.
وقف سليم مع هؤلاء العمال يفعل مثلهم، فهو منذ خمسة أيام محتجز بذلك المكان المحفور داخل أحد الجبال، يستخرج منه الألماس الخام ويقوم بتعبئته.
انتهى اليوم ليدلف إلى تلك الحجرة الصغيرة، والتي لا تتسع لفرد واحد، ويتشاركها مع ثلاثة من العمال الذين يعملون بالمنجم.
ارتمى على الفراش الأرضي بتعب وإجهاد، وهو يتذكر رضوخه وموافقته على تلك المهمات التي أوكلها له ستيفانو.
فلاش باك
تحدث سليم من بين أسنانه المطبقة بغضب
إذا... ما هي تلك المهام التي تريدني أن أفعلها؟
ابتسم له وردد بمكر
أنت صديقي ورفيقي.... وصدقني سليم، لقد اخترت لك أفضل الطرق للخروج الآمن، ولكن تذكر جيدًا.
صمت قليلًا، ليتجه ناحية مكتبه ويفتح علبة مستطيلة صغيرة من خشب الماهوجني، موضوع داخلها أفخم أنواع التبغ، ثم أشعل سيجاره وتوجه إلى مقعده وجلس عليه، وردد وهو يستمتع بتدخينه
تذكر عزيزي أنك في أي وقت شعرت بعدم قدرتك على التحمل، أو لم تستطع إكمال المهمات الموكلة إليك، فقط كل ما عليك هو استدعاء المشرف المسؤول عنك وتخبره بجملة واحدة.
صمت ليسترعي انتباهه، وكل ذلك وسليم واقف أمامه يستمع إليه بحذر، فأكمل
الضوء الأحمر.
قالها ووقف من مكانه، ليتوجه إليه مرة أخرى ويضع كفه على كتف سليم، مستطردًا
فقط تلك الجملة معناها أنك تراجعت عن الخروج من أعمالنا، وأنك توافق على الانضمام لعائلتي سليم، وستكون أكثر من مرحب بك.
أدار سليم وجهه ناحية ستيفانو وردد بصوت حاد وأجش
يبدو أنك ترفض خروجي بشدة ستيف... لدرجة وضعك تلك العقبات أمامي.
قاطعه ستيفانو
هل تظن أنني أضع لك العقبات؟
ضحك بسخرية وأردف
إن أردت إبقاءك رغمًا عنك فسأفعل... ولن يستطيع أحد أن يثنيني عن ذلك، وأنت تعلم ذلك جيدًا.
تحدث سليم بحنق
إذًا لم كل هذا؟
أجابه ببساطة
هذا عقابك على تحديك لي أمام جمع العائلة والرعايا.... فأنا لن أتهاون مع تقليل شأني، حتى وإن كان منك أنت سليم.
زفر بضيق وتحدث من بين أسنانه
هل تظن أنني أضع لك العقبات أيها المعتوه؟ فقط أظهرك أمام الجميع كرجل مغوار حتى يهابك الجميع، ولكن في الوقت نفسه أحفظ هيبتي لنفسي.
زمجر غاضبًا من حديثه وردد
حسنًا... حسنًا، فقط أعلمني ما هي تلك المهام حتى أنتهي منها وأعود لزوجتي.
خطى ستيفانو ناحية مكتبه ببطء، وجلس على مقعده وأمسك بزجاجة النبيذ، ووضع بعضًا منه في كأس كريستالي، ثم رفع بصره لسليم وردد
أتريد كأسًا؟
ضحك بخفة وأعاد الزجاجة مكانها، ثم أمسك بكأسه يرتشف منه وهو يردد بتلاعب
عذرًا، لقد نسيت أنك لا تشرب الخمر.
زفر سليم بضجر منتظرًا أوامر الكابو، حتى صدح صوته يشرح باستفاضة
لقد قلت لك إنك ستعمل لدى العائلة لثلاثين يومًا، وأنا قد قسمت الأعمال بحيث تظل بكل مهمة لعشرة أيام.
صمت فأومأ سليم بحركة طفيفة موافقًا وهو يردد
إذًا هي ثلاث مهام.
صفق ستيفانو بشكل مسرحي مستفز
أنت جيد في الرياضيات يا صاح.... كان يمكن أن تصبح معلم أجيال أفضل من أن تكون تاجر أسلحة.
وصل حنقه للسماء، وشعر بتلاعب ستيفانو، فزفر بحدة
حسنًا ستيفانو... كفى لعبًا وهات ما عندك.
وقف ستيفانو أمامه وردد بتوضيح
تعمل عائلتي بخمس تجارات، أولها السلاح، وأنت تعلم ذلك جيدًا، فلا حاجة لي بجهودك فيها، وهناك تجارة الألماس، وتلك ستكون مهمتك الأولى.
لمعت عينا سليم وهو يستمع له يشرح طبيعة عمله القادم لعشرة أيام
ستعمل بأحد المناجم التابعة للعائلة، تقوم باستخراج الألماس من المنجم، وفور أن تنتهي مهمتك ستنتقل للمهمة التالية.
أومأ سليم موافقًا وردد بتساؤل
وماذا عن المهمة التالية؟
ضحك ستيفانو وهتف
تجارتنا الثالثة، وهي الكوكايين سليم.
صمت وانتظر ردة فعله، وعندما وجده صامدًا يستمع له أكمل
ستعمل لعشرة أيام كاملة بإحدى منشآتنا تحت الأرض لتعبئة المواد وتخزينها.
ظل سليم يتنفس بضيق، وهو يغمض عينيه محاولًا كتم غيظه، فأردف ستيفانو
أنا أعلم أنك لا تحبذ العمل بتلك الأماكن، أو حتى أن تكون لك صلة ولو من بعيد... ولكن لا تنسَ أنه بإمكانك التراجع متى شئت، حتى وإن كان الآن.
نظر له سليم بتحدٍ وأردف
أكمل كابو.
ربما نعته بلقبه وكأنه يرسل له رسالة بمعنى أنت لم تعد صديقي أو شيئًا من هذا القبيل، فحاول ستيفانو قراءة لغة جسد سليم، الذي استطاع ببراعة إخفاء تعابير وجهه ليقف أمامه دون أن يبدو عليه أي انفعال، فردد ببسمة
لقد أتقنت إخفاء تعابير جسدك سليم.
أجابه سليم ببسمة زائفة
تعلمت من الأفضل.
كان بالطبع يقصده هو، فأكمل ستيفانو استثارته
والآن نأتي لآخر مهمة.
صمت ليبث فيه روح الاستنتاج، فردد سليم
لقد أيقنت أن كل مهمة أصعب من سابقتها.
أومأ له بحركة مسرحية وردد
أهنئك سليم.... حسنًا نأتي للمهمة الثالثة،.
ارتفع صوت تنفسه، ولم يستطع أن يكبح غضبه أكثر، فردد بتحذير وهو يرفع يده ويشير بسبابته محذرًا بقسوة
إياك ستيف، ووضعني في تلك الأماكن، واللعنة عليك. ألا تعلم أنني مسلم؟ وتلك الأعمال تتنافى مع عقيدتي وديني... فإن قبلت بتلك المهمات السابقة رغم مخالفتها للقانون، إلا أنني لن أتنازل عن قيمي ومبادئي أبدًا.
ابتسم له ستيفانو وردد
إذًا إكرامًا للأيام الخوالي سليم،
سوف أتركك تختار، فإما أن تعمل في إحدى المنشآت التابعة لنا لمدة عشرة أيام، أو تزيد عقوبتك لتصبح عشرين يومًا تقضيها في تبييض الأموال، فما رأيك؟
صمت قليلًا ليعود ويكمل
ولا زالت أمامك فرصة التراجع سليم.
عودة
ظل يستند على ذراعه اليمنى أسفل رأسه، وذراعه اليسرى يضعها أعلى جبينه، وهو يتذكر الأوامر الصارمة التي تمنعه من التواصل بالعالم الخارجي، وبالأخص زوجته التي يفتقدها، وحتى رفيقه وذراعه اليمنى مراد الذي مُنع من أن يعلم عنه أي شيء.
ظل شاردًا يتذكر ابتسامتها ورقتها وضحكتها، فأمسك قطعة من الفحم ملقاة على الأرض، واقترب من الحائط وظل يرسم وجهها الذي يحفظ كل تفصيلة به، حتى يخفف قليلًا من اشتياقه إليها.
انتهى من الرسم، وحدق في ملامحها طويلًا، ثم حدثها بصوت خافت
وحشتيني أوي يا جنتي... البعد عنك صعب أوي، واليوم بحسه كأنه سنة، مش عارف هقدر أكمل إزاي وأنا بعيد كده؟
استنشق الهواء بعمق وزفره ببطء، ثم همس
يا رب يكون مراد ذكي وبيطمنها عليا أول بأول... يا ترى قلقت عليا ولا غيابي مش فارق معاها؟
جاء اليوم الموعود بعد أن أتمت عدة طلاقها، وجلس أخوها بجمع الرجال، وعقد قرانها على صالح الدهشوري، وعقد قرانه هو على أخته الصغرى.
انفض المجلس، فلا أفراح ولا احتفالات حزنًا على فقدان كبيرهم تهامي الحديدي.
تقدمت قمر بخطوات بائسة تتجه لركوب العربة التي يجرها فرس، والمزينة مثل الهودج لتنقلها إلى بيت الزوجية.
وبمجرد أن وصلت، اقترب منها صالح ليساعدها على النزول وفتح لها الباب لتدلف، ثم وقف أمامها ليزيح عنها وشاحها؛ فهو لم يرها، وهي لم تره، ولا حتى مرة واحدة.
لمعت عيناه فور أن رأى جمالها وحسنها، وردد بإعجاب
يا أبوووي.... ده إنتِ جمر صح؟ أمي جالت إنك حلوة، بس مجالتش إنك بالحلاوة دي.
أطرقت رأسها بخجل، وهي لا تستطيع أن ترفع بصرها ناحيته، وظلت هكذا وهو يثرثر بجوارها، غير منتبهة لما يقصه عليها، حتى انتبهت لصوت خطوات تقترب منها، فرفعت نظرها عندما هتف
تعالى بجى أما أعرفك على ضرايرك.
لمعت عيناها فور أن سمعت منه تلك الكلمة، فرفعت بصرها بدهشة لتجد سيدتين؛ إحداهما ممتلئة البدن قليلًا ويبدو أنها كبيرة في السن، والأخرى تبدو شابة وبها لمحة من الجمال، وتحت أقدامهما العديد والعديد من الأطفال بأعمار مختلفة.
ابتلعت لعابها بخوف ورددت بصوت مهزوز
إنت متچوز اتنين؟
ابتسم لها وردد بسماجة
بجيو تلاتة عاد.
عادت تنظر حولها إلى هذا الكم الهائل من الأطفال ورددت بذعر
وكل دول عيالك؟
أومأ لها يهتف
أني عارف إنك متاخدة، بس أني حفهمك.
أمسك راحتها وسحبها لتقترب منهما، وردد وهو يشير للزوجة الممتلئة
دي مهجة، كانت مرت أخوي الله يرحمه، وكان حداه أربع عيال، ولما مات اتچوزتها زي ما عرفنا بيجول، وخلفت منيها كمان أربع عيال، وبجيو هم وولاد أخوي الله يرحمه إخوات، وأني بربيهم سوا ومش بفرجهم عن بعض، يعني من الآخر إكده مش حتعرفي مين ولادي من ولاد أخوي.
ابتلعت لعابها وتنفسّت بصعوبة، وهو يكمل
ودي بجى تبجى سميحة مرتي الأولانيه وبنت عمي في نفس ذات الوجت، وعندي منيها خمس عيال.
بحسبة بسيطة احتسبتها برأسها، علمت أنها دخلت في معركة خاسرة، ليكمل حديثه
أني خابر إن عنديكي تلات عيال.... وأني موافج تجيبيهم يعيشوا اهنه مع إخواتهم دول، وإخواتهم اللي حجيبهم منيكي.
انقشع وجهها بالسخط والكره. هل يطالبها بإنجاب المزيد من الأبناء له؟ ألا يكفيه كل هؤلاء الأطفال الذين يقوم بتربيتهم ورعايتهم؟
صمتت، فهي لم تجد بداخلها طاقة للرد عليه، فنظر لزوجتيه وردد بصوت مرح
العشا چاهز چوا يا حريم؟
أجابت مهجة
كله زي ما أمرت يا سي صالح.
ابتسم بفرحة، ثم أشار لقمر أن تتبعه إلى غرفتهما، بينما كانت تسير خلفه بخطوات مترددة، وقد أثقل الخوف قلبها.
أغلق الباب، ووقفت قمر في مكانها مرتبكة، بينما جلس صالح يتحدث عن تفاصيل المنزل وحياتهم القادمة.
كانت تستمع إليه في صمت، لكن عقلها كان في مكان آخر تمامًا.
تذكرت سليم.
تذكرت كيف كان يحترم خوفها، وكيف كان يمنحها الوقت والمساحة التي تحتاجها، وكيف لم يجعلها تشعر يومًا بأنها مجبرة على شيء لا تريده.
شعرت بوخزة ندم حادة في قلبها، وتمتمت في نفسها
كنتي مضايقة إنه حيتچوز عليكي... خدي أهه بدل الضرة اتنين كمان، ويا عالم لسه مستخبيلك إيه يا جمر؟
ظل صالح يتحدث عن نظام البيت ومسؤوليات كل زوجة، بينما كانت قمر تستمع إليه وقلبها يزداد ثقلًا.
وفي تلك الليلة، أدركت أن حياتها الجديدة لن تكون كما تخيلتها، وأن عليها مواجهة واقع لم تكن مستعدة له.
مر أكثر من خمسة عشر يومًا، ولا جديد، وحتى مراد لا يهاتفها أو يجيب على اتصالاتها المتكررة، حتى أصبحت كالشبح تمشي وتدور حول نفسها.
لم تهمل جلسات علاجها النفسي حتى تتحسن حالتها، فإن عاد ورآها بأحسن حال، ظل معها ولم يتركها ثانية.
اتكأت على سرير الكشف، وتحدثت المعالجة النفسية تسألها
تبدين شاردة اليوم!
قوست فمها وتحدثت بغصة بكاء
يبدو أن سليم قد هجرني، أو الأسوأ أن شيئًا سيئًا قد حدث له.
اقتربت الطبيبة بمقعدها منها وهتفت بصوت هادئ
لا أظن أنه هجرك، لأنه ما زال يرسل نقود الجلسات بالحوالة البنكية.
لمعت الدهشة بعينيها وسألتها باهتمام
حوالة من أين؟
أجابتها بتوضيح
من إيطاليا.
عادت تستند برأسها على مسند السرير وتنفسّت براحة، تهتف
إذًا هو بخير.... الحمد لله.
رددت الطبيبة بعملية
هل نبدأ جلستنا إذًا؟
أومأت لها، لتعود وتتحدث عن ماضيها وحياتها التي عاشتها قبل تعرفها على سليم، ولم تخلُ الجلسة من ذكر سيرته بكل مناسبة، لتبتسم الطبيبة بنهاية الجلسة مرددة
تحدثنا معًا في أكثر من موضوع، ولم تكفّي عن ذكر زوجك بكل فرصة سنحت لك، أنتِ تعشقينه يا جنة.
ابتسمت باشتياق وهتفت
لقد اشتقت له كثيرًا، وأفكر أنني إذا رأيته سأعاتبه بشدة على كل هذا الغياب، وبعدها سأخبره كم كنت خائفة عليه.
ابتسمت الطبيبة تهتف بمشاكسة
حسنًا، تمسكي بتلك الفكرة وأرجئيها للجلسة القادمة.
وقف مرتديًا زيًا من البلاستيك الأبيض اللون وقناعًا للوجه حتى يمنعه من استنشاق تلك المواد، ويرتدي قفازات بيديه، ويغلف تلك المادة البيضاء بأكياس بلاستيكية بعد أن يقوم بوزنها، ثم يضعها بالصناديق المخصصة لها.
لقد طلب أكثر من مرة أن يتحدث لمساعده الأيمن مراد حتى يجعله يطمئن زوجته عليه، ولكن التعليمات كانت صارمة بهذا الشأن
لا تواصل بالعالم الخارجي.
ظل هكذا حتى قارب على أن ينهي العشرة أيام المخصصة لتلك المهمة، والألم يزداد بداخله مع مرور كل يوم بعيدًا عنها.
انتهى اليوم ليرتمى بمكان نومه كعادته، مهموم الرأس والقلب، يفكر ويفكر ماذا سيفعل بآخر مهمة؟
هل يقبل أن يعمل في إحدى الأماكن التابعة للعائلة لمدة عشرة أيام؟ أم يختار العمل الأقل مخالفة لمبادئه، وهو تبييض الأموال في كازينو القمار، ولكن لعشرين يومًا؟
ضرب الحائط بقبضة يده بغل، وهو يشعر أنه مكبل، فحتى المحكوم عليهم بالإعدام يحق لهم ولو مكالمة هاتفية واحدة ليطمئنوا على أهلهم.
هاجس شغل باله طوال تلك المدة
هل حدثها مراد وطمأنها عليه أم لا؟
هل هي بمفردها الآن تظن به الظنون، أم أن حبها له يجعلها تثق به؟
ظل في حيرته حتى انتهت العشرة أيام الثانية، وحان وقت اختياره لمهمته الثالثة، ليرافقه المشرف عليه من القبو المخصص لتخزين المواد إلى وجهته التالية.
نظر
له بنظرات متعبة وردد بإيطاليته الجيدة
أريد التواصل مع الكابو لأمر هام.
أجابه الآخر
هل تطلب الضوء الأحمر؟
أومأ رافضًا وردد بتأكيد
لا، ولكنني أود التحدث له.
رفض بشكل عملي، وهو يركز أنظاره على الطريق أمامه، يهتف بجدية
الآن إما إحدى المنشآت التابعة لنا لعشرة أيام، أو كازينو دولاندا لعشرين يومًا... أيهما تختار؟
ظل صامتًا يفكر، حتى ردد بصوت متعب ومنكسر
كازينو دولاندا من فضلك.
ابتسم المشرف وحوّل مساره بوجهته ليبدأ مهمته الثالثة لمدة عشرين يومًا أخرى.
قارب اختفاؤه على الشهر، وهي

تم نسخ الرابط