اقتحمت حياتي اسماء المصري
بتأكيد وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ.
أومأ سليم بخنوع بعد أن علم أن البت في هذا الأمر قد انتهى ولا رجعة فيه مطلقاً.
وقف ياسر يستند على حافة سيارته بعد أن صفها بجوار سيارة جنة وانتظرها طويلاً حتى وجدها تخرج من المشفى برفقة زملاء العمل، فاقتربت منه تنظر له بتوجس فهتفت بقلق ياسر!! خير، إيه اللي جابك؟
أجابها برقة جيت أوصلك لما عرفت من عمي إنك هتتأخري، خفت عليكِ تسوقي بالليل لوحدك.
اقتربت إحدى صديقاتها وتدعى رايتشل تهتف بمشاكسة بالإنجليزية كنت أظنكِ لا تهتمين بالرجال مطلقاً يا جنة!
نظر لها ياسر بتدقيق وردد بغضب ما هذا الهراء؟ عن ماذا تتحدثين؟
ابتسمت لتردد طوال معرفتي بها ترفض أي ارتباط ولم أجدها تقع في حب أحد، ولم تقص لي عن مغامرات سابقة حتى بسن المراهقة، لذا توقعت أنها ترفض الزواج تماماً ولم تستطع البوح بذلك.
ابتسمت جنة بحبور وظلت تضحك بقوة ورددت لو سألتِني بوضوح يا راتش لكُنت أجبتُك أنني فقط لم أجد الشخص المناسب ولم يسبق لي الارتباط.
رددت رايتشيل وهي تنظر لياسر وماذا عن هذا الوسيم؟
ابتسمت لها وهي تردد بتأكيد هو صديق وشريك أبي بالعمل لا أكثر، وأعتبره كأخ.
ارتفع حاجب ياسر وهو يردد مستنكراً أخ؟
ابتسمت رايتشيل بخبث تهتف يبدو أنه لا يوافق على خانة الأصدقاء الموضوع بها هذا الوسيم... أنصحك أن تحاول الخروج من دائرة الأصدقاء وتقتحم دائرة الأحبة وقريباً جداً قبل أن يُسرق منك أيها الوسيم!
حركت جنة رأسها بيأس من رفيقتها المتفردة وابتسمت لها وهي تغادر، وعادت تنظر لياسر تردد بأسف معلش يا ياسر... أنت عارف طريقة تفكير الناس هنا.
نظر لها بحزن وردد ليه مش موافقة نقرب من بعض؟
أجابته باختصار لأني مش مستعدة لأي ارتباط دلوقتي خالص... أنا عايزة أخلص رسالة الماجستير بتاعتي وأفضى لشغلي ولبابي وبس.
فتحت باب سيارتها ورددت وهي تدلف إليها يلا اطلع قدامي بعربيتك وأنا وراك.
وصلت جنة لمنزلها برفقة ياسر الذي ظل مرافقاً لها بسيارته، وترجل يقف أمام باب المنزل الكبير ونظر لها بحب وردد بتمني إديني فرصة أقرب منك يا جنة... أنتِ مش عارفة أنا بحبك قد إيه.
أجابته بتهرب ياسر الوقت تأخر وأنا هلكانة من التعب، تصبح على خير.
هرعت داخل أبواب منزلها وأغلقته خلفها، فنظر في أثرها يردد بتأكيد لنفسه اصبر... اصبر وبكرة تعرف إن ملهاش غيرك.
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
وفي الداخل..
وجدت أبيها يجلس على المقعد الهزاز الموضوع بالمدخل أمام التلفاز يغفو وبيده كتاب، فتنحنحت لتجلي صوتها ليفيق أباها على صوتها، فردد بلهفة وكأنها عادت من سفر طويل حمد الله على السلامة يا بنتي.
أجابته بتعب وإجهاد الله يسلمك يا بابي.
نظر لها بحسرة على حالها وردد تعبة نفسك جامد أوي يا جنة.
رددت بزفرة عميقة إحنا مغتربين هنا يا بابي، ولو ما أثبتش جدارة هتلاقي ألف حد ياخد مكاني.
أومأ برأسه موافقاً
على حديثها وهتف بصوت هادئ اطلعي أوضتك خدي شاور وارتاحي شوية، وأنا هخلي مدام أنيتا تجهزلك العشا.
ابتسمت له ونهضت تقبله من وجنته ورددت بحب أنا جعانة نوم يا حبيبي... تصبح على خير.
صعدت غرفتها وملأت حوض الاستحمام بالماء الدافئ واضعة به السوائل العطرية حتى تساعدها على الاسترخاء، وجلست به تسند رأسها على مسند الحوض تغمض عينيها، فيضيع عقلها في دوامة من الذكريات.
كانت هبة والدة جنة دائمة الشجار مع والدها وتحججها بأنها غير سعيدة معه ولا تريد الاستمرار، لينزل حديثها على محسن كحد السيف يشطره نصفين.
تمر الأيام وتظل والدتها تطلب الطلاق من أبيها في كل فرصة وهو يمتنع حتى لا تربى ابنتها بعيدة عنه، حتى أعلنت له زوجته بوضوح عدم رغبتها في الاستمرار وأنها تريد الانفصال التام لبدء حياة جديدة بعيداً عنه وأنها ستترك ابنتها تعيش معه، فيوافق على طلبها للطلاق.
تظل جنة تتذكر لحظاتها التعيسة في بيت والدتها بعد أن خدعت والدها وأخذتها لتعيش معها.
فلاش باك
تجلس هبة مع زوجة أخيها تتحدث معها ببعض الأمور الخاصة بالسيدات، فتنظر لابنتها بضجر وتردد بحدة ما تقومي يا بنتي تلعبي مع ولاد خالك، وأنتِ قاعدة كده!
تجيبها الصغيرة جنة بضيق طفولي مش بحب ألعب مع صبيان، لعبهم وحش.
تنظر لها والدتها بمهادنة وتردد أيوه يا حبيبتي بس دول مش صبيان غُرب، دول ولاد خالك... قومي بقى خليني اعرف أخد راحتي.
تذهب جنة ذات العشرة أعوام لتنفيذ أوامر والدتها لتلعب مع أبناء خالها، فيقترب منها ابن خالها الأكبر يزن ويتعامل معها بقسوة وأسلوب مزعج يفتقر للبراءة، مما بث في نفسها الخوف والرهبة الشديدة، وزرع بداخلها حاجزاً نفسياً ودفاعاً قوياً ضد التعامل مع الرجال مستقبلاً.
أفاقت من نومها بفزع بعد أن ابتلعت المياه من حوض الاستحمام لتتدارك نفسها، فقد نامت ويبدو أنها لم تشعر بجسدها وهو يغوص في المياه.
وقفت تتلفح بمنشفة قطنية كبيرة وأخذت تتطلع لجروح قديمة بطول ذراعها الأيمن لتصبح علامات دائمة تذكرها بيوم خروجها من بيت زوج أمها.
فلاش باك
هربت جنة أخيراً من منزل زوج أمها بعد أن أتمت العشرين عاماً، ومحاولاتها مراراً وتكراراً أن تخبر أمها عن قسوته وسوء معاملته لها، ولكن الأخيرة أبت أن تصدقها أو حتى تستمع لها، لتخرج جنة بعد إدحارها القليل من المال قاصدة محافظة الإسكندرية لتقيم عند خالتها، تلك السيدة الحنون التي تعاملها خير معاملة.
نظرت لها خالتها بقلق وحيرة إيه اللي جايبك بالمنظر ده؟ وإيه اللي عمل كده في إيدك يا جنة؟
أجابتها جنة تقص عليها ما حدث في طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي حادثة كبيرة أوي يا خالتو... والعربية كانت مولعة والراجل كان هيموت محروق، قربت أنا من العربية ودخلت إيدي من الشباك عشان أفكله حزام الأمان وأطلعه، بس بواقي الإزاز بهدلتلي إيديا زي ما أنتِ شايفين.
ضربت بكفها على صدرها تردد بخوف وبعدين... لحقتي الراجل ولا جراله إيه؟
أومأت بفخر تردد اه يا حبيبتي لحقته وخرجته من العربية بس لقيت الميكروباص اللي راكبة فيه هيمشي ويسيبني، فركبت ومستنيتش الإسعاف تيجي.
احتضنتها بحب تردد وهي تقبلها من رأسها خير ما عملتي بمجيكِ هنا.
عادت من ذكرياتها ترتدي ملابس النوم وتتكئ على فراشها تعدل الوسائد لتذهب في نوم عميق، لا يخلو من كوابيس تتمنى لو أنها أحلام وليست حقيقة.
في منزل الحاج تهامي الحديدي
جلس يقص ما حدث بجلسة الصلح لزوجته وأزواج بناته، فتستمع قمر لحديث والدها بضرورة زواجها من ابن عائلة الراوي، فتنتفض بغضب تردد ليه وافجت يا بوي؟ أني رخيصة عندك أكده؟
نظر لها بدهشة وردد بحزن رخيصة كيف يا بتي؟ ده أنتِ آخر العنقود سكر معقود يا جمر.
ابتسمت بسخرية تردد بتأكيد ولما تجوزني لولد الراوي اللي لسه ابنهم دمه مبردش... تفتكر هيعملوا معايا إيه ولا هيتعاملوا معايا كيف؟ ده مش بعيد يسودوا عيشتي يا بوي، ده غير إنه أكيد متجوز يعني كمان...
قاطعها أخوها لا مش متجوز ولا سبقله الجواز، يعني أنتِ هتكوني أول بخته عاد.
زفر تهامي بضيق واقترب منها يربت على كتفها بحنان أبوي وهو يهتف بتأكيد متخافيش... أني مش هسمح لحد يمسك ولا يجرب منك طول ما أنا عايش على وش الدنيا، بس أنتِ كمان لازم ترفعي راسي عاد... اوعي يا بتي تركبيني العار.
أطرقت رأسها بخنوع واستسلام تردد بحسرة حاضر يا ابوي، بس هعمل إيه في عيالي؟
نظر لها بحيرة وهتف مؤداً عيالك هيفضلوا اهنه مينفعش يروحوا معاكي هناك، وأني هتكلم معاهم عشان تبقي تشوفيهم كل سبوع.
بكت وانتحبت تردد بحزن هتحرم من عيالي يا بوي؟ هشوفهم كل سبوع؟ ده لو وافجوا!
أجابها جابر يطمئنها متخافيش يا خيتي... أني هأكد عليهم الحكاية دي.
أومأت موافقة باستسلام، فمتى كان لرأي المرأة أهمية في تلك المجتمعات التي تتعامل معها على أنها خلقت لتكون تابعة.
في منزل الحاج فرج الراوي
جلس سليم كالأسد المجروح يشعر بأنه مقيد من يديه لا يستطيع المناص؛ فمن ناحية يريد أن يثبت أنه يهتم لأمر العائلة حتى تنتهي العداوات بينه وبين عائلته ويستطيع أبوه أن يفتخر به، ومن ناحية أخرى فهو قد علم مكان من شغلت عقله وتفكيره بعد أن أخبره مراد بذهول أنا مكنتش مصدق إنه ممكن ييجي اليوم وأشوفها على الحقيقة مش في الرسومات اللي بترسمها!
ترقب سليم حديثه واعتدل بجلسته ونظر له بحيرة يردد أنت بتقول إيه؟
أجابه مراد وهو يفتح شاشة هاتفه على صورتها وهي تخرج من المشفى الذي تعمل به أنا خليت رجالتنا تدور في المنطقة هناك ويسألوا عليها بصورتها اللي أنت راسمها وفعلاً عرفت كل حاجة عنها.
انتفض سليم ينظر له ويعاود نظره لشاشة الهاتف فيختطفه منه ويظل يحدق به بصورة كبيرة وكأنه يريد التأكد أنه لا يحلم، فعاد ينظر لمراد يردد بلهفة حقيقية أنت... أنت لقيتها فين؟ وهي فين و... أنا...
ظل يتلعثم بحديثه فهدأه مراد يحدثه باستفاضة اهدى وأنا أحكيلك.
نظر سليم حوله بترقب وردد بحذر لا مش هنا... تعالى نقعد في المندرة.
اتجه معه بصمت وهدوء، وفور أن دلفا صرخ به سليم بلهفة عايز اعرف كل حاجة عنها... هي مين وأهلها وبتعمل إيه في أمريكا وعندها كام سنة؟ و...
صمت قليلاً وعاد ينظر للهاتف فيجدها ترتدي ثياب المشفى فهتف ببسمة شكلها دكتورة... اتكلم يا مراد واحكيلي!
ضحك مراد بصخب وردد والبسمة ترتسم على وجهه هو أنا لاحق اتكلم... ما تهدى وتقعد عشان تسمع!
حاول تمالك نفسه وجلس يستمع لما يخبره به رفيقه، فردد الأخير بعد ما رجعنا مصر قعدت أنا أفكر إنها لو فعلاً كانت موجودة في نيويورك وبالتحديد في المكان اللي شفتها فيه ف أكيد هتبان في كاميرات المراقبة بتاعة الفندق أو المستشفى اللي قصاده.
نظر له يحاول قراءة تعابيره ولكنه وجده صامتاً ينصت باهتمام، فاستطرد بعت صورتها اللي أنت راسمها لحبايبنا هناك يدوروا عليها، وفعلاً بمجرد ما فرغوا كاميرات المراقبة ظهرت فيها كويس جداً وأكثر من مرة كمان.
ابتلع لعابه لإجلاء صوته وردد ببسمة عايز تعرف بياناتها؟
هدر به سليم صائحاً ما تنطق يا بني آدم!
ردد مراد الاسم جنة محسن الصاوي، السن 26 سنة، المهنة
دكتورة طوارئ بمستشفى بيلفيو العام... وحيدة أبوها وعايشة معاه من خمس سنين، وقبل كده كانت في مصر مع والدتها.
نظر له سليم بنظرة مبهمة وملامحه توحي بالضيق وردد بصوت هادئ متجوزة؟ أو مخطوبة؟ أو مرتبطة؟
صمت، فنظر له مراد وردد بتأكيد كل اللي يعرفها بيقول عنها إنها في حالها وملهاش صحاب نهائي من الجنس الآخر، وأي راجل في حياتها بيكون في حدود الزمالة وبس، ولا ليها علاقات ولا في أي ارتباط رسمي أو غير رسمي بأي حد، ومش مصاحبة غير بنتين بيشتغلوا معاها في المستشفى واحدة اسمها رايتشيل والتانية جينفر وبس كده.
تنهد سليم ببطء وأخذ يزفر دخان سيجارته التائهة وهو يلعن حظه العثر الذي أبعده عنها بعد أن وجدها، وها هو الآن مضطر للزواج بغيرها حتى دون أن يتقابل معها ويتأكد هل هي فعلاً من كانت بالحادث وقامت بإنقاذه من الموت أم لا.
مرت أيام وعائلة الراوي في انتظار تنفيذ عائلة الحديدي لأوامر كبار البلدة بتقديم كفن الصغير عيسى حفيد تهامي الحديدي حتى يتم الصفح عن الأخذ بالثأر.
جلس الجميع بقصر العائلة الضخم وسط حنق ورفض الغالبية لقبول ذلك الأمر المخذي، فهتف فرج بعد نفاذ صبره بحدة خلاص اللي حُصل حُصل عاد وممنوش راجعة!
هتف سليمان يردد وأنت يا بوي بمقامك العالي ده هتجف لحتة عيل صغير تاخد منه كفنه؟
نظر له فرج بحيرة فأجابه سليم بذكاء محدش في الجلسة قال أكده... إحنا نطلعوا أي حد يستلم الكفن ده.
زفر عوض عمه الأصغر يردد بحيرة مين عاد اللي هنطلعه؟ أي حد من العيلة مقامه كبير جوي إنه ياخد كفن عيل صغير!
ردد سليم وبسمة خبيثة ترتسم على وجهه واحدة من حريمات الدار هي اللي تستلم الكفن، وأظن مفيش رد يوجع ويقل منهم أكبر من ده!
أعجب الجميع بفكرته الماكرة، فهتف فرج بتأكيد خلاص، يبقى فاطمة مرتي هي اللي تاخد الكفن.
وبالفعل وقفت الحاجة فاطمة تستلم كفن الصغير من يده، وسط شعور عائلة الحديدي المرافقة للطفل بازدراء كبير من تلك الفعلة، ولكنهم آثروها في أنفسهم حتى لا يفتعلوا المشاكل مرة أخرى، فقوات الأمن تحيط القصر من جميع الاتجاهات لتأمين التصالح.
بعد مرور شهر أو بالتحديد أربعين يوماً على وفاة سيد الأخ الأكبر لسليم، اجتمعت البلدة بحديقة منزل كبير عائلة الحديدي الحاج تهامي الحديدي لحضور كتب كتاب ابنته قمر على سليم الراوي.
جلس سليم وإلى جواره عائلته في انتظار حضور المأذون، وجلست السيدات من العائلتين بداخل المنزل حتى حضرت العروس تتزين بثوب مناسب وبراق.
اقتربت عمات سليم منها يهنئونها ويلبسونها المصوغات الذهبية كعادتهم، وفعلت أخواته البنات بالمثل. أما زوجة أبيه فكانت تنظر لهم بازدراء، فأمسكت بكف قمر ووضعت به المصوغات المفترض أن تكون شبكتها وهديتها من عريسها ورددت بحنق سليم قال لي أختارلك أنا الدهب.
نظرت لها بخجل ورددت برقة تسلمي يا أم العريس.
هتفت بحدة أني مش أم العريس يا حبيبتي... أني مرت أبوه.
تلعثمت بتردد وهي تنظر لأسفل، فتداركت والدتها الخطأ وهتفت تصحح الأمر أيوه يا حاجة فاطمة... عارفين يا ختي إن العريس يبقى ابن المصراوية.
لمعت عيناها بضيق ملحوظ وكادت أن تصرخ بهن جميعاً، ولكن قطع ذلك دخول ابنها سليمان ومعه جابر ابن الحاج تهامي وأخو العروس ليتنحنحا بحرج حتى تغطي النساء وجوههن، واقتربا من العروس ليسألها أخوها بجدية المأذون بيسألك يا خيتي... مين وكيلك؟
رفعت بصرها تنظر لأخيها من خلف وشاحها ورددت بصوت منكسر ابوي.
أومأ برأسه وهو يشعر بغصة تضرب صدره، فهو يعلم تمام العلم أن أخته الصغرى قد أصبحت كبش الفداء لعائلته.
لم يغفل سليمان عن التحديق بعروس أخيه، فلاحظ رقتها واستشف ذلك من عذوبة صوتها فابتسم يحدث نفسه محظوظ يا ولد المصراوية!
خرجوا للحديقة لإتمام الزواج، فقبض سليم على أصابعه وهو يعلم أنه مضطر أن يضع يده بيد عائلة الحديدي، فاقترب منه رفيقه مراد يهدئه و يردد بصوت هامس اهدى يا صاحبي... يوم ويعدي.
بتذمر أومأ برأسه موافقاً ومد يده يمسك بيد الحاج تهامي ليبدأ عقد القران، وفور انتهائه وقف أحد حراس عائلة تهامي يخرج سلاحه ليطلق الأعيرة النارية احتفالاً، ولكن أو قفه صوت سليم الهادر مفيش لا ضرب نار ولا طبل ولا زمر عاد، وأنا دم أخوي لسه مبردش في تربته!
انحنى الحارس باحترام وأكد تهامي على كلامه متأخذناش يا ولدي... أصله جاهل وميفهمش في الأصول.
قوس سليم فمه واقترب من تهامي يردد بغضب مكتوم يا ريت تفهم الكل إن الدخلة كمان مش هيكون فيها لا طبل ولا زمر.
بحركة رأس وافق تهامي طبعا يا ولدي... إحنا بنفهموا في الأصول.
خرج الجميع من منزل الحديدي بعد إتمام عقد القران ولم يهتم سليم حتى أن يرى زوجته، فارتمت قمر على المقعد تبكي بحرقة ده حتى مطلبش تشوفني حسب شرع ربنا يا بوي!
ردد تهامي بجدية خلاص يا بتي عاد... ملوش لازمة الكلام والبكى.
في القاهرة..
بإحدى القصور الفخمة بأرقى أحياء القاهرة، جلست السيدة شادية الجندي جدة سليم تتحدث مع ابنتها سالي وهي تحتد في حديثها قلتلك هبلغ سليم لما ييجي يا سالي، بطلي زن بقى!
زفرت سالي بضيق تردد أيوه يعني امتى طيب؟ مجدي كل شوية يسألني وأنا بصراحة مبقتش عارفة أقوله إيه؟ أقوله ابن اختي مطنش ومش عايز يشغلك معاه؟
هتفت شادية بضيق هو لا مطنش ولا حاجة، أنا بلغته في التليفون وقال لي أول ما ينزل على مصر هيشوف الموضوع.
لم تكمل حديثها حتى استمعت لصوت مكابح سيارته تدلف للقصر، فهرعت بلهفة وهي تغلق المكالمة اقفلي بقى أحسن سليم جه.
وقف سليم فور أن رآها تقف بانتظاره، فاقترب منها وانحنى يقبل يدها وهي تربت على رأسه ليردد بشوق وحشتيني أوي يا جدتي... أخبارك إيه؟
قبل جبينها وردد معتذراً عن غيابه، وجلس على الأريكة ليقص عليها ما مر به من مشاكل الثأر وموت أخيه وزواجه الإجباري، وكذلك ما عرفه عن الفتاة التي أنقذته.
استمعت له شادية بحنان واحتضنته، ثم سألته وعمتك سالي كانت بتكلمني عشان جوزها...
قاطعها يستطرد خلاص يا جدتي... خلي جوزها يعدي عليا بكرة في الشركة وأنا هشغله.
قبلته ورددت ربنا يرضى عليك يا بني.
في نيويورك..
اشتد القلق على محسن بعد أن أخبره رفيقه يحيى بما يدور من أقاويل وشائعات في المشفى عن ابنته بسبب رفضها الدائم للارتباط.
اقتربت جنة من والدها الراقد على فراش المرض تحاول التحدث له، فصرخ بها بحدة ومين اللي إداهم الفرصة يتكلموا كده؟ مش أنتِ اللي لا عايزة تفرحي قلبي ولا تطمنيني عليكِ؟
دمعت عيناها من قسوته معها، فجلست بجواره تربت عليه وهي تردد إيه اللي يرضيك وأنا أعمله؟
أجابها دون تردد تتخطبي لياسر، على الأقل الشائعات دي تروح.
ابتلعت لعابها بضيق وألم ورددت باستسلام موافقة بس...
قاطعها والدها لو أنتِ موافقة يبقى الخطوبة تتعمل دلوقتي، والجواز بعد ما تخلصي الرسالة بتاعتك.
زفرت بضيق وأجابته حاضر يا بابي... اللي تشوفه.
وبالفعل تم خطبة جنة وياسر في حفل ضم الأصدقاء والمقربين.
عاد سليم يباشر أعماله فسافر إلى إيطاليا ليُكمل صفقة تجارية، وهناك قابل الذراع الأيمن لرئيس المنظمة التي يتعامل معها ويدعى روبيرتو، ليتحدث معه
سليم بالإيطالية بطلاقة وينتهي من عمله بنجاح.
بعد الانتهاء من الأعمال خرج سليم برفقة مراد للسهر بأحد المطاعم ب روما، وفي تلك اللحظة وصلت رسالة لهاتف مراد الذي لمعت عيناه بالضيق، فنظر له سليم بتفحص يسأله باهتمام في إيه؟
ابتلع مراد لعابه بغصة وخوف وردد أخبار ممكن تضايقك... جنة اتخطبت انهارده!
انتفض من مجلسه ونظر له بغضب وردد بصورة هادرة أنت بتقول إيه؟ أنت مش قلتلي إنها مش مرتبطة؟!
أجابه بجهل مش عارف إيه الحكاية، والرجالة هناك متابعينها خطوة بخطوة... صدقني مش فاهم!
نظر له بغضب وردد بقسوة الغلطة دي حسابها عندي كبير ومش هعديهالك، لأن المفروض كنت تعرف قبل الخطوبة مش بعدها!
ثم أردف سليم بصيغة آمرة احجز لنا أول طيارة على نيويورك، ولو مفيش احجز طيارة خاصة!
أومأ مراد بالموافقة في خضوع، ليتجها بعد ساعتين للمطار ومنه إلى نيويورك...
كم يشعر المرء بالوحدة حتى وهو محاط بعشرات، بل مئات البشر! شعورٌ قاسم يتأصل بداخله ويزداد ضراوة، حتى يعتاد عليه تدريجيًا، ويتعامل مع وحدته وكأنها ملاذه الأخير وسياجه المنيع.
ظلت جنى متقوقعة داخل شرنقتها، تأبى الخروج منها حتى بعد إعلان خطبتها المزعومة من ابن رفيق والدها. جاهد الأخير أن يشعرها بحبه واهتمامه، لكنها ظلت كما هي جامدة، قوية، وقاسية لأبعد حد.
اجتمع محسن برفيقه يحيى وابنه ياسر على عشاء مُنمّق بدعوة من عائلة يحيى، لمحاولة التقريب بين جنى وياسر.
دلفت ميهادالأخت الصغرى لياسرومعها والدتها يسرا لتستقبلا جنى بحرارة أهلاً يا جنى يا حبيبتي... وحشاني خالص!
أجابتها جنى وهي تحاول رسم ابتسامة زائفة على شفتيها إزّاي حضرتك يا طنط؟
ثم وجهت نظرها لميهاد وهتفت إزيك يا ماهي؟ عاملة إيه؟
أجابتها الأخرى بعبارة إنجليزية عفوية لم أكن بحال أفضل من الآن!
هدر بها والدها يحيى يوبخها بحزم قلت مية مرة.. مفيش كلام غير بالعربي طول ما إحنا في البيت، متنسوش لغتكم وأصولكم!
ردت ميهاد بدلال يا بابي إيه المشكلة؟ دول كلمتين خرجوا بعفوية مش مقصودة يعني!
رد يحيى بتأكيد ما أنا لو سبتكم للعفوية دي هتنَسوا العربي خالص!
وسط مجادلات يحيى مع ابنته، اقترب ياسر من جنى ثم ردد برقة أنتِ وحشاني جداً جداً!
تجاهلت قربه وأدارت وجهها للجهة الأخرى، فنظر إليها محاولاً الحديث بانسجام أكبر، لتبدأ مشاعر الغليان تجتاح جسدهامن فرط اشمئزازاً ونفوراً. نهضت فوراً واتجهت نحو الشرفة، فنظر في أثرها بضيق وتبعها للخارج.
اقترب منها محاولاً فرض وجوده بحديثه، فتراجعت خطوة للخلف وهي تنظر إليه بنفور صريح. أخرج سيجارته وبدأ يدخنها بضيق، ثم ردد بحدة أنتِ في حد تاني في حياتك؟
التفتت تنظر إليه بتعجب ودهشة وهتفت ده اللي هو إزاي يعني؟ مش فاهمة!
أجابها بضيق مفيش تفسير للي أنتِ فيه ولطريقتك معايا غير كده!
سخرت منه وركّزت نظراتها فيه لو أنت شايف كده لمجرد إني رفضت تجاوزك معايا.. يبقى براحتك!
احتدت تعابيره ونظر إليها بإصرار قائلاً مفيش حاجة اسمها براحتك! أنا لازم أعرف.. أنتِ يا زي ما الناس بتقول عليكِ إنك معقدة وعندك جفاء غير طبيعي، يا إما في حد تاني في حياتك، لأن الطريقة دي مش طبيعية!
تضايقت بشدة من تطرقه لنفس الشائعات والأقاويل التي كانت سبباً في إجهاد والدها ومرضه، فأجابته بنفس الحدة والنفور وليه مقتنع إن العيب فيّا وما تقولش إني مش حباك أنت بالتحديد؟!
نظر لها بتعجب وهتف وده بسبب إيه؟ أنا ألف واحدة تتمناني!
ابتسمت بسخرية وهي ترد مغرور.. وغرورك ده السبب في اللي أنت فيه. كل الحكاية إني مش واخدة عليك، وتربيتي ما تسمحليش إنك تتجاوز حدودك معايا بالشكل ده.. بس أنت عيشتك هنا في أمريكا نَسيتك الأصول والدين.
أنهت حديثها واتجهت للداخل لتجلس مع بقية العائلة، حاسمةً أي حوار آخر قد يؤزم الوضع بينهما أكثر.
أصعب شعور قد يواجهه المرء هو الضياع وعدم الانتماء.. أن تشعر وكأنك غريب ومرفوض، فتبحث عن طوق نجاة تخرج به مكنوناتك. قد يتمثل ذلك في هواية تحاول بها رسم معالم شخصيتك، أو أسلوب حياة تبدو فيه قوياً بخلاف ما يثور بداخلك.. أو إنسان تعتبره ملاذك وقبلتك.
وأصعب من ذلك، هو فقدان ذلك الملاذ حتى وإن كان وهمياً.. خفياً. وقتها يشعر الإنسان بالضياع كطفل اكتشف فجأة أن أساطيره الجصية ليست حقيقية!
وظل سليم جالسًا في الطائرة يشعر بهذا الضياع. كان يتمنى لو لم يجدها من الأساس؛ فذلك كان أهون بكثير من فقدانها بتلك السرعة قبل أن تعلم حتى بوجوده.
أخذ ينظر لساعته.. لماذا لا يمر الوقت؟ أصبحت الرحلة من أوروبا إلى أمريكا دهراً؟ أسند رأسه للخلف لتخرج منه تنهيدة عميقة ملأى بالألم. لاحظ رفيقه مراد حالته، فتربت على يده مستكشفاً إهدى يا سليم.. كل حاجة ولها حل.
نظر له بعيون مجهدة أرهقها الانكسار، وقال بهزيمة ضاعت مني قبل ما تعرف بوجودي.. قبل ما أقف قدامها وأقولها أنا استنيت اللحظة دي قد إيه!
ردد مراد بتأكيد صدقني هتتحل.. ولو عايزنا نخفي اللي خطبها ده من وش الأرض وما يبقاش له أثر.. سهلة!
نظر له سليم بحدة ونبرة حاسمة أوعى تعمل كده! أوعى حد يقرب منه.. أنا أقدر أتحمل أي حاجة إلا إني أكسر قلبها أو أوجعها.
نظر له مراد بدهشة واستطرد متسائلاً أنت بتحبها يا سليم؟ بتحب واحدة لا تعرفها ولا تعرفك؟! طب إزاي؟!
اعتدل سليم في جلسته وعقله يستحضر ملاك ملامحها أنا مش بس بحبها.. أنا حاسس إني عايش عشانها. كان نفسي ألاقيها وأخدها أخبيها عن العالم كله.. بس...
قاطعه مراد بحسم من غير بس.. لو ده اللي أنت عايزه، يبقى هيحصل.
رد سليم بخوف وتردد بس بشرط.. من غير ما تتوجع أو تتكسر.
أومأ له مراد بموافقة مطلقة وانصياع تام.
خرجت جنى من المستشفى بضيق، تتلفت حولها حتى وجدته واقفاً يستند إلى سيارته مطبقاً يديه وشابكاً نظارته الشمسية أعلى رأسه.
اقتربت منه بغضب وتردد بحدة هو أنت فاضي ولا إيه؟ كل شوية تجيلي الشغل؟!
ابتسم لها ياسر وهتف بنبرة معسولة بتوحشيني.. طيب أعمل إيه؟
نظرت له بضيق وحذرته برفع سبابتها اسمع يا ياسر.. أنا ورايا شغل وأرواح ناس بين إيديا، ومينفعش كل شوية تجيلي كده.. أنا مش بلعب!
تضايق من جفافها معه وردّ بصوت حزين ومستاء ماشي يا جنى.. بس خلي بالك، أنا مش
هفضل أحاول كتير لأني خلاص جبت أخيري!
نظرت له بلامبالاة ودلفت إلى المستشفى، بينما ظل هو يتابع أثرها بغل مكتوم.
وعلى بعد مسافة، كان سليم يراقب الموقف في صمت. فطن فوراً لعدم وجود أي مشاعر متبادلة بينهماعلى الأقل من جانبها. التفت إلى مراد وأمره بصوت قاطع اعرفلي كل حاجة عن البني آدم ده.. من يوم ما اتولد لحد اللحظة دي!
أجاب مراد بخنوع أوامرك.
سرح سليم يفكر في تفاصيل حوارها مع خطيبها، ثم قال بحيرة في حاجة مش طبيعية يا مراد.. أنت مش قلت إن ملهاش علاقات ومش مرتبطة بحد؟
أومأ مراد، فأكمل سليم بتعجب يبقى إزاي اتخطبت بالسرعة دي؟! الخطوبة دي أكيد غصباً عنها أو وراها سر!
ابتسم مراد بسخرية أنت فاكر نفسك في الصعيد هيجوزوها غصب؟! إحنا في أمريكا يا سليم!
تنهد سليم وزفر دخان سيجارته قائلاً خلي رجالتك يسألوا لحد ما نعرف قصة الخطوبة دي كاملة.. فاهم؟
بعد انتهاء دوامها، خرجت جنى لتركب سيارتها. ولمحت فجأة شخصاً يقف في ظلال الليل.. اختفى سريعاً، لكن ملامحه بدت لها مألوفة للغاية!
حدثت نفسها بذهول هو.. نفس الشخص اللي كان في الحادثة! معقول؟ هو نفسه الشاب اللي أنقذته من الموت؟
تذكرت تفاصيل وجهه جيداً؛ فحادث ذلك اليوم العصيب لا يغادر ذاكرتها أبداً.
مشاهد من الماضي Flashback
عادت جنى من تأدية امتحانات نهاية العام بكلية الطب بخطوات أرهقها التعب، ولكنها كانت سعيدة بنجاحها في سنتها الثالثة يا رب كمل السنتين دول على خير.. أنا خلاص تعبت ونفسي أسافر لبابي بقى.
فتحت الباب ودلفت بحذر على أطراف أصابعها كي لا يشعر بها أحد؛ فهي بغنى عن أحاديث والدتها غير الجدية، وعن ثرثرة إخوتها الصغار.. والأهم من ذلك هي بغنى عن مواجهة زوج والدتها عاصم، الذي تجاوز حدوده في التعامل معها أكثر من مرة.
حاولت مراراً تنبيه والدتها هبة، لكن الأخيرة كانت ترفض .
نظرت حولها فلم تجد أحداً، وحين توجهت للمطبخ وجدت ورقة معلقة على الثلاجة من أمها أنا أخدت إخواتك ورُحت لخالك.. هستناكي على الغدا.
تنهدت جنى بضيق؛ فذهابها هناك يعني التعرض لمضايقات ابن خالها أيضاً! قررت البقاء في المنزل أخد شاور وأرتاح من تعب الامتحانات أفضل.
وقفت جنى ترتجف والسكين في يدها، ونظرت إليه بنفور وقوة ولدت من رحم الخوف متخافش مش هتموت.. أنا دكتورة وبعرف الطعنة رايحة فين، ولو كنت عايزة أقتلك كنت قطعت شريانك! لو فكرت تقرب مني تاني أو تتكلم.. بالتأكيد المرة الجاية هقضي عليك ومش هتردد!
جمعت أغراضها وحقيبة كتبها بسرعة وقلبها يخفق برعب شديد، وخرجت تركض بلا وجهة محددة حتى وصلت لموقف سيارات الأجرة المتجهة للإسكندرية.. حيث منزل خالتها الذي يمثل الأمان الوحيد لها وقتها.
وفي منتصف الطريق الصحراوي، توقفت السيارة بسبب ذلك الحادث المأساوي المروع.. لتنزل مسرعة وتنقذ ذلك الشاب الذي انحفرت معالمه في ذاكرتها للأبد.
العودة للحاضر
أفاقت جنى من ذكرياتها الأليمة على الضوء الساطع المنبعث من سيارة أمامها تُنبهها للطريق. ضغطت على مكابح سيارتها بحدة وتوقفت على جانب الطريق، تأخذ أنفاساً متلاحقة وتسمح لدموعها بالهبوط أخيراً، محدثة نفسها بألم نفسي أنسى اليوم ده بحلوه ومره.. نفسي أمحيه من ذاكرتي بس مش عارفة.. يا رب ساعدني!
في منزل الحديدي بالصعيد
جلست تندب حظها التعس الذي أوقعها في تلك الزيجة؛ فمنذ عقد قرانهما قبل أكثر من ثلاثة أشهر، لم يرَها زوجها أو يطلب مقابلتها، ولم يخطُ أي خطوة نحوها.
نظرت لأخيها وسألته بحزن ها يا جابر.. عرفت حاجة؟
أجابها جابر بضيق لأ.. لساته مسافر، وبطلي زنّ عاد!
بكت وتوجهت لوالدها أني مبزنش يا بوي.. أني عايزه أعرف رأسي من رجلي!
هتف والدها تهامي بضيق خلاص يا بتي.. أني بكرة هتحدث مع أبوه ونشوف أخرتها إيه.
وبالفعل ذهب الحاج تهامي إلى فرج الراوي في المضيفة المنصوبة داخل أرضه، واستأذن بحرج السلام عليكم يا حاج فرج.
رد فرج وعليكم السلام.. اتفضل.
جلس تهامي يشعر بالتردد والضيق، حتى هتف فرج بثبات خير يا حاج تهامي؟ أكيد جيتك دي ليها سبب!
ابتلع تهامي ريقه وقال أبداً.. بس يعني من يوم كتب الكتاب ولدك سليم لا طلب يشوف العروسة ولا اتحدث معاها ولا اتكلم في ميعاد للدخلة.. وأني...
قاطعه فرج بحسم ولدي مسافر بره مصر يا حاج.. عنده شغل في إيطاليا، يخلّص منيه ويعاود ووجتها نبجى نحدد معاد للدخلة.
هز رأسه بالقبول وأضاف أني بس كنت حابب إنه يعرف قمر ويجعد معاها عشان يعرفوا بعض و...
أراحه فرج من توتره مردداً بصرامة ولدي هو اللي ماسك شغل العيلة كلاته بره مصر، ده غير شركته في القاهرة.. يعني بتك لازمن تتعود إنه بيسافر كتير وبيغيب. هو مش جاصد يبعد أكده.
شعر تهامي بالارتياح قليلاً، فدفعه فضوله لاستكمال الحديث طيب كان في حاجة مهمة أكده عايز اتحدث فيها وياك.. أنت عارف إن بتي حداها عيال، وكانت عايزه تعرف هتشوفهم كيف.. وأنت فاهم قلب الأم.
قاطعه فرج بصرامة لا تقبل النقاش شوف يا حاج.. الحكاية دي في يد ولدي سليم. يعني بصريح العبارة أكده هو اللي هيحدد هتشوف عيالها ولا لأ.. امتى وكيف دي بردك بتاعته!
أومأ تهامي برأسه وانصرف بقلب يملؤه الهم.
في أمريكا، كان سليم يتابع أخبار جنى أولاً بأول عن طريق مراد، حتى دلف الأخير عليه بابتسامة عريضة عندي ليك أخبار زي الفل يا ريس!
نظر
له سليم باهتمام تعالي يا مراد.. خير؟
جلس مراد أمامه وهتف بلمعة في عينيه جنى مكانتش موافقة على العريس واتخطبت غصباً عنها!
لمعت عينا سليم بالدهشة والفرح في آن واحد، وصرخ به قول اللي عندك يا أخي.. بلاش طريقة التشويق دي!
ابتسم مراد واستفاض في الشرح بص يا سيدي.. زي ما قلتلك، هي ملهاش في الجو ده خالص ولا ليها أصدقاء من الجنس الآخر.. بنت ملتزمة جداً بالعادات والتقاليد.
سأله سليم بضيق أمال إيه حكاية ياسر ده؟!
أجاب مراد بتوضيح طلعت عليها شائعة خبيثة في وسطها إنها معقدة وترفض الرجال، ولما باباها تعب ورقد في المستشفى بسبب الكلام ده.. وافقت على الخطوبة عشان تثبت لأبوها إن الكلام ده مش صحيح وتبعد عنه الإجهاد!
هبط سليم على مقعده بارتياح، واختفت حيرته وتلاشت شكوكة.. ردد بخفوت يعني الخطوبة دي مجرد درع حماية لأبوها!
اقترب منه مراد وتحدث بتأكيد بالضبط.. وأبوها انتهز الفرصة عشان يطمن عليها مع ابن صاحبه وشريكه.
نهض سليم ووقف ينظر من الواجهة الزجاجية لمكتبه وأمر بثبات مش عايز رجالتك يفوتوا حاجة إلا ويصوروها ويبعتوهالي.. أنا مضطر أرجع مصر، وهسيبك أنت هنا تخلص باقي الشغل وتعينك عليها.
في قصر الراوي بالصعيد
استقبل فرج ابنه سليم بأحضان مفتوحة واحتضنه بفخر بعد أن أتم صفقة تجارية ضخمة لحساب العائلة خارج مصر.
ربت فرج على كتفه قائلاً ما يجيبها إلا رجالها يا ولدي.. براوه عليك!
ابتسم سليم وقبل يد والده تسلم يا بوي.. كله بمجهوداتك.
دلفا للمكتب لاستكمال بعض الأمور، فهتف فرج بعد فترة شكلك تعبت يا ولدي.. اطلع اتسبح وريحلك حبة أكده، عشان بعد العشا عاوزك في حكاية مهمة جوي.
صعد سليم لغرفته، وفور أن أغمض عينيه حتى زاره طيف جنى. فتح خزانة ملابسه وأخرج دفتر الرسم الخاص به والمملوء بالرسومات لها.. وبدأ يرسم تفاصيل ملامحها الحقيقية التي رآها عن قرب هذه المرة بحرفية شديدة.
تأمل رسمته وحدثها بصوت خافت عارفة يا جنى.. أنا عمري ما حبيت قبل كده، يمكن أنتِ السبب لأني معرفتش أفكر في حاجة غير إني ألاقيكي.. ولقيتك! بس يا ترى بعد فوات الأوان؟ أنا مفروض عليا جوازة وأنتِ مخطوبة.. قوليلي أعمل إيه عشان تكوني معايا؟
قاطعت حديثه دقات رقيقة على الباب، فدلفت أخته الصغرى سحر يا خوي.. أبوي عاوزك والعشا جاهز.
اقتربت من الرسمة وابتسمت برقة لساتك بترسمها يا خوي؟ هشيلها من رأسك امتى؟
ضحك سليم وقرص وجنتها بمداعبة حتى أنتِ يا مفعوصة؟! انزلي يلا على بال ما أغير خلجاتي.
وعلى مائدة الطعام، اجتمع رجال عائلة الراوي. تنحنح فرج وقال بحسم دلوج لازمن نحددوا معاد لدخلتك يا سليم.
احتدت تعابير سليم وردّ بضيق ومستعجل ليه يا بوي؟ ده سيد أخوي لساته ممتمش ٦ شهور!
أجابه فرج إحنا مش هنعمل هيصة ولا فرح.. فخلينا نحددوا معاد ونخلصوا من الحكاية دي.
زفر سليم بضيق وهو يحاول استجماع هدوئه، فمرت صورة جنى في مخيلته، ليرد بحدة يا أبوي أني لساتني مش جاهز عاد.. أجّلها شوية.
صرخ به والده مدير الأمن كل شوية يكلمني وأني بتحجج بسفرك.. دلوج هجول إيه وأنت هنا؟!
نهض سليم بحدة ودفع مقعده بعصبية متجولش يا بوي.. واسترني زي البني آدمين لاحسن زمامي يفلت!
ترك الطعام وصعد غرفته بضيق شديد، وتبعه إصرار والده على إنهاء هذه الزيجة بأقرب وقت.
بعد يومين من الضغط المتواصل، ذهب فرج برفقة سليم إلى منزل الحاج تهامي لتحديد الموعد النهائي.. وهناك تقدمت قمر برقة حامله صينية المشروبات.
انحنت وقدمت الكوب لسليم الذي كان مطرق الرأس يقلب في هاتفه ويتصفح صور جنى التي يرسلها له مراد. سعل أخوه لينتبه، فرفع رأسه وتناول الكوب قائلاً بصوت هادئ متشكر.
اتفق فرج وتهامي على أن تكون الدخلة يوم الخميس القادم بدون مظاهر احتفال، وسليم يجلس صامتاً وكأنه يساق إلى قدر لا يستطيع التملص منه الآن.
في أمريكا
جلست جنى في استراحتها بالعيادة ترتشف القهوة، حتى دلفت رفيقتها رايتشل بابتسامة عريضة عندي ليكي أخبار رائعة!
اعتدلت جنى في جلساتها بفضول ماذا؟ قولي ما عندك يا رايتش!
أخرجت رايتشل تذاكر طيران وتحركها أمام عينها بإثارة عطلة مدفوعة الأجر ومقدمة كهدية لنا في حفل توديع عزوبية جينفر!
نظرت لها جنى بدهشة عطلة مدفوعة؟ ومن تكفل بها؟
أجابتها رايتشل جاك زوجها المستقبلي.. دعاكِ ودعاني على حسابه الخاص!
ضحكت جنى بسخرية جاك البخيل؟! هذا كلام لا يُعقل!
زفرت رايتشل بضيق ولكنه حدث بالفعل يا جنى.. هيا لا تعبسي بوجهك، وإياكِ والرفض!
ابتسمت جنى وهي تتفحص التذاكر إلى أين إذن؟
فتحت رايتشل التذكرة بهدوء وتشويق لقد حجز في أفضل مكان في إيطاليا.. إيطاليا يا جنى.. روما!
لمعت عين جنى بالدهشة روما؟! حقاً؟!
أكدت رايتشل بالسعادة نعم.. وموعد السفر بنهاية الأسبوع القادم!
قوست جنى فمها ثم أومأت بموافقة حاسمة أنا معكِ.. فأنا بحاجة لتلك العطلة أكثر من أي وقت مضى، وسأحاول الاستمتاع بوقتي هناك لعلني أستعيد نفسي.
قفزت رايتشل بفرحة نعم.. إلى روما!
جاء اليوم المنتظر لعائلتي الراوي والحديدية حتى تزداد الروابط بينهما وليقف سلسال الدماء النازفة من العائلتين، والذي كان آخر ضحية له هو سيد الابن البكر لكبير عائلة الراوي.
جلس الرجال جميعاً في حديقة قصر الراوي يستقبلون رجال عائلة الحديدي ويقدمون الأكلات والعزائم، ولكن