اقتحمت حياتي اسماء المصري
قاربت على الانهيار... فليحدثها ولو لمرة واحدة، وبعدها وإن أراد الابتعاد عنها فلن توقفه، فقط تريد أن تعلم أنه بخير وعلى قيد الحياة.
هاتفت مراد للمرة المائة، ليضطر في النهاية إلى الإجابة عليها، فهتفت بصراخ حاد أصم الآذان
إنت فين يا مراد؟ حرام عليك! سليم فين وأخباره إيه؟
زفر بقلة حيلة يهتف بخفوت
اهدى يا جنة.... سليم كويس، بس بينهي ارتباطاته هنا، وأول ما يخلص هيكلمك.
سألته بلهفة
يعني هو عايش؟
صمت قليلًا لتنزل تلك الكلمة على مسامعه وتزعزعه، لكنه استطاع التماسك، وضحك ضحكة مصطنعة وأجابها
طبعًا عايش.... بس مشغول، وأول ما يخلص هيكلمك.
أغلقت معه المكالمة وهي تشعر بالراحة قليلًا، ولكن عدم تحدثه معها بنفسه كان ينبئها بوجود خطب ما.
أما مراد، فقد تخوف من احتمالية أن يكون سليم قد تحدى الكابو دي نيرو، فهو يعلم ثقته بنفسه الزائدة عن الحد، والأكثر سخرية هو ثقته بصداقته بزعيما للمافيا.
قرر الذهاب للكابو والتحدث معه، لعله يطمئنه عليه، وهو يعلم جيدًا أنه إن تم قتله، فسيقومون بإبلاغه دون خوف.
دلف مكتبه بعد أن جلس لساعات في انتظار السماح له بمقابلته، وفور أن انحنى احترامًا، استقام في وقفته وسأله بتوجس
أين سليم؟
رفع حاجبه ونظر له متعجبًا من جرأته، وردد ببرود
هل تستجوبني؟
تدارك مراد نفسه على الفور وردد باحترام
بالطبع لا سيدي.... أنا فقط قد قلقت عليه كثيرًا.
أومأ بهدوء وردد
لا تقلق.
اقترب مراد قليلًا يهتف بتوجس
إذًا هو على قيد الحياة؟
ضحك عاليًا حتى تقطعت نياط قلبه، وردد بسخرية
بالطبع على قيد الحياة... من قال لك إنني أغدر بأصدقائي؟
ابتسم له بامتنان وردد بتلعثم
هل... لي أن أعلم متى سيظهر؟ فزوجته قلقة حد اللعنة، وأنا خائف أن تتهور وتعمل بلاغ اختفاء أو أي شيء من هذا القبيل.
كان ذكيًا بتفكيره، فهو يعلم أن ستيفانو لا يريد أي شوشره، خصوصًا والشرطة تضيق الخناق عليه بعد حرب العصابات التي دارت بين عائلته وعائلة فيرناندو نينيتى.
ضغط ستيفانو على أسنانه وهتف بتأكيد
أمامه عشرون يومًا حتى ينهي مهامه، وأنا بدوري سأجعله يهاتفها ليطمئنها عليه.
شعر مراد بالسعادة والامتنان، وأومأ له باحترام ليخرج من مكتبه، ويهاتف جنة على الفور ليطمئنها، والتي بدورها لم تجعل الهاتف يعيد رنينه، فأجابت على الفور تهتف بلهفة
مراد.... طمني.
أجابها بصوت فرح
متقلقيش... هو كويس خالص والله، وهيكلمك في أقرب وقت، بس لسه قدامه عشرين يوم على ما يخلص شغله.
ابتسمت ورددت بسعادة ولهفة
يعني هو كويس؟ وراجع صح؟
أجابها
أيوه وهيكلمك كمان، انتظري مكالمته.
أفاقت من نومها على أصوات الصراخ والشجار كعادتها منذ زواجها، فتذمرت وهي تحاول أن تضع وسادتها فوق رأسها حتى تصم أذنها عن الإزعاج الآتي من الخارج.
تفاجأت بالباب يفتح عليها وتدلف ضرتاها تصرخان بصوت حاد، فرددت سميحة
جومي يا أختي.... إنتِ حتفضلي عاملة فيها عروسة لحد ميتة؟ ما خلاص بجالك أكتر من أسبوعين.
اعتدلت في نومتها على الفراش تهتف بضيق
في إيه؟ إنتو كيف تدخلو عليا إكده من غير لا إحم ولا دستور؟ إيه وكالة من غير بواب؟
وضعت مهجة يدها بخصرها، تهتز بجسدها المترهل، تهتف بسخرية
خلاص يا عروسة... الفرح انفض، ومن انهارده زيك زينا، والأيام حتتجسم بينا بالعدل زي ما سي صالح أمر.
ابتلعت لعابها تردد بخوف
أيام إيه؟
ابتسمت مهجة وأجابت
أيام نظافة البيت وعمايل الوكل، وأيام سي المحروس صالح يا عنيا.
زادتها سميحة توضيحًا
كل واحدة فينا ليها يومين تنظف وتغسل للبيت كله، ويومين تطبخ، ويومين تجهز لسي صالح، ويوم الجمعة بقى كل واحدة فينا بتروح لأمها، وإنتِ كمان حتروحي لأمك عشان تشوفي عيالك وترجعي آخر الليل، وسي صالح هو اللي حيختار يقضي يومه مع مين فينا.
ازدردت لعابها وهي تتمنى بداخلها
يا ريت ما يختارنيش واصل.... ده إيه الهم اللي أني فيه ده يا ربي؟
لتعود لواقعها بعد أن رمت مهجة بوجهها بعض الملابس المتسخة تهتف بازدراء
جومي فزي عاد.... انهارده وبكره الدور عليكي في الغسيل والتنظيف، يلا بلاش جلع.
وقفت باستسلام وارتدت ملابسها لتخرج وتبدأ معاناتها بتنظيف منزل مكون من طابقين، وبه عدد لا نهائي من غرف الأطفال وثلاث غرف رئيسية للنوم، ناهيك عن كم الملابس المتسخة والمطلوب منها تنظيفها جميعًا.
جلست بأحد الأركان تبكي حالها، فهي كانت تُعامل كالأميرة بقصر عائلة الراوي، لما يضمه القصر من العديد من الخدم.
ظلت تنتظر طوال اليوم أن يهاتفها، ولكن مر اليوم ولم يحدث، لتجلس بغرفة نومها تستند برأسها على ركبتيها، حتى سمعت صوت رنين الهاتف بأقرب نغمة لقلبها، وتجد اسمه يزين شاشته، فرددت بلهفة وشوق
سليم... حبيبي.
جاء صوته جادًا بعض الشيء، ولكن غلفه الاشتياق، فهتف بالإنجليزية
حبيبتي... تحدثي بالإنجليزية يا جنة.
دهشت من طلبه فرددت
لماذا؟ هل أنت على ما يرام؟
أجابها بإيجاز
نعم، فقط حدثيني بالإنجليزية، فأنتِ لا تتحدثين الإيطالية.
فهمت على الفور أن شيئًا له صلة بأعماله هناك، فرددت بمرح
تلك مشكلتك، أنني لا أتحدث الإيطالية، وأظن أنه حان الوقت لتعلمني إياها... أليس كذلك؟
ابتسم بفرحة يهتف
حينما أعود سأعلمها لكِ.
ابتلعت لعابها ورددت بلهفة
حسنًا حبيبي.... كيف حالك؟ اشتقت لك سليم.
تنفس عميقًا ثم ردد
وأنا أيضًا اشتقت لكِ... لا تعلمين كيف لا يمر الوقت بغيابك جنتي.
رددت بصوت رقيق
وأنا أتذكر كلماتك ووجودك بجانبي، وأفتقد تفاصيل أيامنا معًا.
تنفس ببطء، ثم ردد بتوتر
أنتِ لا تساعدينني هكذا يا جنتي.... لا تتحدثي بتلك الرقة، فأنا أفتقدك أكثر كل دقيقة.
ضحكت بحب ورددت جملتهما الشهيرة
الحب بطريقة سليم الراوي.
صحح لها جملتها بصوت خشن مازح
تقصدين العشق بطريقة سليم يا جنتي.
سمعت صوتًا بجانبه يحدثه بالإيطالية، فلم تفهم ما يقوله، وأجابه سليم بالإيطالية هو أيضًا، ليعود لها ويردد بأسف
لقد انتهى وقت المحادثة مع الأسف حبيبتي.... انتظريني، فأمامي تسعة عشر يومًا وأعود لكِ.
رددت بصوت حزين
سيمرون عليّ كأبد الدهر، ولكنني سأنتظرك حتى تعود.
ردد بهيام
أحبك.
أجابته بحب
وأنا أحبك.
لينقطع الاتصال، فتظل تنظر لشاشة هاتفها تتنفس بعمق، ثم تضع الهاتف بجوارها وتستلقي في هدوء، وقد عادت إليها الطمأنينة بعد أن سمعت صوته.
نظر أمامه، وعينه تطلق نظرات امتنان لرفيقه، وردد باحترام
أشكرك كابو.
أومأ برأسه بحركة خفيفة وردد
لا عليك أخي.
جلس أمامه على المقعد وهتف متسائلًا
اخترت تبييض الأموال؟ عوضًا عن أن تمضي عشرة أيام، اخترت أن تظل هنا بهذا المكان لعشرين يومًا.... حقًا أنا لا أفهمك.
جلس إلى جواره وحدثه بضيق
قلت لك إنني لا أقبل المساس بتعاليمي وأخلاقي ستيف، وأنت أردت أن تستفزني.
ابتسم له مستهزئًا وهتف
حسنًا أخي.... سأثبت لك حسن نيتي وأنهي عقوبتك غدًا، فما رأيك؟
لمعت عينه بالفرحة والدهشة في آن واحد، فنظر له متوجسًا وسأله بفضول
حقًا؟
أومأ له موافقًا، فردد سليم
لماذا؟
أنا أريد أن أنتهي من ذلك الأمر حتى لا يظهر لي شيء آخر فيما بعد.
أجابه ستيفانو بحزم
لقد قلت لك سأنهي عقوبتك، لا سأرجئها. وهناك أكثر من سبب لذلك سليم. أولها أنك أخي، حتى وإن رفضت الدخول بعائلتي بشكل رسمي، ستظل أخي، وأنت تعلم أنني لا أدعي ذلك.
ربت سليم على كتفه بامتنان وهتف
أعلم ذلك جيدًا أخي.
عاد يكمل
والسبب الثاني هو أنني قيد المراقبة أنا وعائلتي وأتباعي، ولا أريد توريطك، فإن حدثت مداهمة أريدك خارج هذا الأمر.
لمعت عينه بالغضب وأردف بحدة
عائلة نينيتى مرة أخرى؟
أومأ له وأكمل بجدية
وهناك ذلك السبب، وهو ديانتك، والتي أعلم تمامًا أنك تخالف تعاليمها بتلك الأفعال، وأنا لا أقبل على نفسي أن يجعلني أحد، مهما كانت سطوته، أخالف مبادئي.
صمت قليلًا، ثم تابع
وأخيرًا، فإن زوجتك بحاجة لك، كما أخبرني مراد أنها قلقة عليك بشكل كبير.
ابتسم سليم بخفة، وردد بمشاكسة
ماذا قلتما؟... آه، الحب بطريقة سليم الراوي؟ أليس كذلك؟
ضحكا الاثنان، حتى وقف ستيفانو وهمّ بالخروج، وهتف بجدية
احزم أمتعتك لتعود غدًا لنيويورك سليم... فقط لا تنسَ أخيك ستيف.
تصافحا بحرارة، وودع كل منهما الآخر، ثم غادر ستيفانو.
وقف سليم في مكانه للحظات، وقد شعر أخيرًا أن الطريق إلى العودة أصبح قريبًا، وبدأ يعد الساعات التي تفصله عن زوجته.
ذهبت إلى المشفى الذي تعمل به، وعقلها لا يزال أسيرًا لمكالمة الأمس مع زوجها، فهاتفت معالجتها النفسية، والتي أجابت على الفور
أول مرة تهاتفينني قبل موعد جلستك يا جنة... ماذا هنالك؟ هل أنتِ على ما يرام؟
خرج صوتها سعيدًا ومطمئنًا
نعم، أنا بأحسن حال، وسليم سيعود بعد عشرين يومًا، وأنا أريد تكثيف الجلسات لحين عودته.
صمتت قليلًا، ثم تابعت
أنا أريد أن أكون أفضل عندما يعود، وأريد أن أتخلص من الخوف والقلق اللذين يسيطران عليّ.
سألتها المعالجة بهدوء
وهل تشعرين أنك مستعدة لمواجهة كل ما تخشينه؟
أجابتها جنة بعد لحظة تفكير
أظن ذلك... أنا فقط أريد عندما يعود أن أكون قادرة على التعامل معه بشكل طبيعي، من غير خوف أو ارتباك، وأن أشعر بالأمان معه.
ابتسمت المعالجة وهتفت بمهنية
إذًا أنتِ تسيرين في الطريق الصحيح يا جنة.
تنفست جنة براحة، ورددت
أتمنى ذلك.
أجابتها المعالجة
وسنعمل خلال الجلسات القادمة على تثبيت هذا الشعور، حتى تكون عودته بداية أفضل لكما.
أومأت جنة رغم أن الطبيبة لا تراها، ثم أغلقت المكالمة وهي تشعر للمرة الأولى منذ اختفائه أن شيئًا جيدًا يقترب منها.
يتبع...