اقتحمت حياتي اسماء المصري

لمحة نيوز

ده المرة دي تفضل على ذمتك يا سليم!
ردد فرج بقلق
والصلح يا فاطنة؟
تدخل سليمان يهتف بوجل وغل
وهو لسه فيها صلح عاد يا أبوي؟ اللي بدأ هم عيلة الحديدي، هم اللي سرجوا السلاح واستخدموها عشان تغدر بينا بالشكل ده، وكل ده وإحنا في الأصل اللي لينا التار، ودلوج إحنا بردك اللي لينا الحج.
اقترب فرج من سليم المتصنم لا يظهر أي تعابير على وجهه هاتفًا بحيرة
إنت رأيك إيه يا ولدي؟
صر بأسنانه وقضم داخل فمه ليكبت غضبه هاتفًا بحرقه
معادش ينفع يا أبوي....خلصت على إكده، بس بالاصول عاد.
تدخلت فاطمة تهتف بفضول
أيوه يعني حتعمل إيه؟
أجاب بإقرار وحسم
حطلجها بس بوجود رچاله عيلتها.
استمعت لكلماته فأدركت حجم وخطورة أفعالها ونتائجها غير المرجحة لها، فشعرت وكأنها تلقت ضربة قاصمة أوقعتها أرضًا لترتمي أمام قدميه تتشبث بهما تهتف بتوسل
لا يا سليم....أوعاك، أوعاك تطلجني.
دفعها بعيدًا عنه بتقزز وهتف
اطلعي لمي خلجاتك لحد ما أشوف حل مع رچالة عيلتك، ومتستفزنيش أكتر من إكده، معاوزش أخرج من شعوري وأتهور عليكي.
وقفت تهندم ملابسها وتنظر له بحزن، ولكن نظراتها لم تحرك به شعرة واحدة ولم يشعر تجاهها بالشفقة، لتبتلع لعابها الجاف بصمت وتهتف بصوت ضعيف
واللي في بطني حتعمل فيه إيه؟
انتهت جنة من اختيار فستان الزفاف الأنيق ذي الأكمام من الشيفون الأبيض، عندما لاحظت تركيز الجدة على تلك الآثار المحفورة بطول ذراعها دون أن تتحدث، وطوال فترة تجربتها للثياب البيضاء كانت ترفض بعضها بطريقة ملتوية حتى فهمت بالنهاية امتعاضها من ظهور آثارها، لكنها آثرت الصمت؛ فطوال حياتها لم تخجل أبدًا من تلك العلامات، ولم تحاول إخفاءها إلا لارتياحها للملابس المحتشمة.
وقفت أمامهن منتظرة رأيهن، لترى العبرات تهدل من عيني رفيقتيها، ورايتشيل تضع يدها على فمها تكتم شهقاتها وهي تهتف بحبور
أجمل عروس في العالم، الثوب كأنه مصمم لأجلك يا جنة.
عادت لتنظر لجينيفر فهتفت الأخيرة
هذا أفضلهم بالفعل، تبدين كالملائكة.
ثم التفتت لشادية التي وقفت بجوارها تربت على كتفها بحنان أموي افتقدته جنة لأعوام طوال، تهتف بسعادة غامرة
زي البدر...ربنا يسعدكم يا بنتي ويخليكم لبعض ويبعد عنكم العين.
انتهى اليوم وعادوا للفيلا بعد أن انتهت جميع التجهيزات، ولكن ليس قبل أن تتوقف بإحدى المحال المخصصة لبيع الهواتف المحمولة لتبتاع واحدًا حتى تتواصل مع حبيبها، فلم تواتها الفرصة أن تتحدث معه طوال اليوم.
دلفت حجرتها وجلست على الفراش وهاتفته، فأجاب الأخير غير منتبه للرقم، فهو لا يعلمه، فخرج صوته حزينًا ضعيفًا ومتألمًا
ألو.
أجابته بصوتها الرقيق العذب
وحشتني.
تحفزت حواسه لصوتها الذي يسري بداخله كترياق لآلامه وأوجاعه، فحاول أن يتصنع الفرحة وهو يهتف
وإنتي كمان وحشتيني.
رغم محاولته إخفاء ما يعتمر بصدره، إلا أنها استطاعت الشعور بنبرته المهزوزة، فهتفت بتخوف
مالك؟ حاجة حصلت؟
ابتلع لعابه بغصة مؤلمة يردد بإنكار
لا أبدًا، بس تعبت من مشاكل العيلة اللي مبتخلصش، بس متشغليش إنتي بالك وقوليلي رقم مين ده؟
رددت بصوت مبتسم وفرح
ده تليفوني.
حاول أن يشعرها بأنه على ما يرام، فتطرق للحديث عن الزفاف وتجهيزاته
وعملتي إيه النهارده؟ خلصتي حاجتك؟
أجابته بحماس تقص عليه يومها كله من الألف إلى الياء، وهو أكثر من سعيد بسماع صوتها المتلهف والفرح، فشاكسها مرددًا
ياااه...خلصتوا كل ده في يوم؟ ويا ترى اشتريتي كل حاجة ناقصاكي؟
أجابته بعفوية
أنا مكانش ناقصني حاجة غير الفستان، ومراد حجز القاعة والفوتوجرافر، وفاضل البدلة بتاعت حضرتك يا سليم بيه.
ابتسم من براءتها، فهي لم تفهم المغزى من سؤاله، فعاد يشاكسها بمرح
طيب خلصتي كل تجهيزاتك ولا لسه؟
أجابته وهي تضحك
تقريبًا خلصت كل حاجة، ناقص بس كام تفصيلة صغيرة.
ضحك معها، ثم أنهى الحديث بعدما شعر أن صوتها أعاده لبعض هدوئه
خلاص يا جنتي، خليكي مرتاحة وبلاش تتعبي نفسك. تصبحِي على خير.
أغلقت المكالمة وهي تبتسم، بينما عاد هو إلى حالته الصامتة، ليتذكر حالته قبل ساعتين عندما علم بخبر حمل قمر.
استمع لما تفوهت به مقوسًا حاجبيه، متجهم الوجه، وفاطمة تلطم صدرها بيدها، ليهتف هو متعجبًا
إيه؟ جولتي إيه؟
أجابته بثقة
بجولك إني حبله.
ضم شفتيه مدهوشًا بها ليهتف
كِيف يعني؟
مصمصت شفتيها بطريقة مستفزة تهتف بجرأة
متعرفش كِيف!!
أمسكها من ذراعها بغضب حتى تأوهت من شدة قبضته، صارخًا بصوت رجولي أجش
حصل إزاي؟ إنتي مش جلتيلي إنك....
قاطعته هاتفة
كدبت عليك.
لمع الغضب بمقلتيه، وكاد أن يفقد السيطرة على نفسه، لكن سليمان كان الأسرع في التدخل ليحول دون تصاعد الأمر، وقبض عليه بصرامة هاتفًا
اهدى يا أخوي... مرتك حبله، بلاش تهور وجنان.
ابتلع لعابه بغصة والغضب يعترى جسده، فأغمض عينه مرددًا بشراسة
خدها يا سليمان من جدامي زي ما هي إكده وديها بيت أبوها، لأني مش ضامن نفسي ممكن أعمل فيها إيه؟
نفذ الأخير رغبته وأرسلها لمنزل والدها، وعاد ليجلس مع أخيه بحديقة القصر وربت على كتفه يهتف بتعقل
اهدى إكده وكل حاجة ليها حل.
ضحك بسخرية وهو يكتم غضبه مرددًا من بين جنبات أسنانه وحنقه الزائد
جنة إكده ضاعت مني يا سليمان....بعد ما جلت خلاص الدنيا حتضحك لي.
انتفض من مجلسه بغضب يصرخ
ده فاضل يومين على الفرح....يومين يا سليمان.
أمسكه أخوه من ذراعه وأجلسه بالقوة هاتفًا بتأكيد
وهي حتعرف منين بس؟
رمقه بنظرات ضيقة هاتفًا
وهي حاجة زي دي ممكن تتخبى يا أخوي؟
رد عليه بتأكيد
على الأقل لما ياجي وقتها يا سليم.
حرك رأسه رافضًا الأمر معللًا
أني عاهدتها على الصراحة، وغير إكده لو خبيت دلوج وعرفت بعدين مش بعيد أخسرها
للأبد.
هتف سليمان بنصح
بس يا أخوي....إنت تسافر تعمل فرحك وتروح شهر العسل وتجعد شوية في أمريكا ولا إيطاليا لحد لما الأمور ما تهدى اهنه، وبعدها يبجى يحلها الحلال.
اعترض سليم على حديثه
مستحيل الكلام ده، إنت عاوزني أفضل مخليها على ذمتي بعد كل اللي شفته وسمعته ده؟ إزاي؟
أجابه سليمان
لأن دي الأصول، مرتك ولازمن تفضل على اسمك لحد ما تخلف، وبعدها يبجى يحصل الطلاج.
امتعض وجه سليم فقد علم إن كان رأي أخيه المتفهم والحنون ذلك، فما بال رأي أبيه الصارم والمتحكم؟ فظل يفكر بمعضلته حتى وجد الحل ليهتف مقررًا
لا، إحنا الأحسن نعملو قاعدة كبيرة زي المرة اللي فاتت، واللي يتحكم بيه فيها أنا حنفذه عشان منبجوش خالفنا الأصول ولا بدينا بالشر.
أومأ سليمان في استحسان لفكرته، ولكنه عاد يهتف بتساؤل
بس أبوها وأخوها في الحبس دلوج.
أجابه شارحًا له الأمر
حيطلعو يا أخوي، لأن أكيد مأمنين نفسهم زينا تمام، وحيبعتها حد من صبيانهم.
بتقوس فمه هتف سليمان
ولحد ما بخرچو؟
أجابه سليم
حتچوز جنة وأسافر شهر عسل، وأبجى أعاود مصر بعد كده بأي حجة عشان أخلص الموضوع.
استحسن سليمان أفكار أخيه هاتفًا
عفارم عليك يا أخوي.
رحبت شادية بعائلة الراوي وعلى رأسهم فرج، الذي لم تره منذ سنوات طوال بعد أن أخذ منها سليم بالقوة بعد وفاة زوجته، لتنقطع الصلات بينها وبينه بشكل غير ودي، ولتعاصر بعدها الكثير من الصعوبات حتى تجتمع بحفيدها مرة أخرى.
طالت بينهما النظرات حتى قطعها سليم بحنكة
نورت بيت ولدك يا أبوي....اتفضل ادخل.
ابتسم فرج لحديث ابنه الضمني الذي يؤكد له أنه بأحد أملاكه وليس ضيفًا على أحد، ثم عاد ورحب بجدته باحترام
إزيك يا جدتي؟
أومأت له، ودلفا وتبعهم جمع العائلة من رجال ونساء وأطفال، وجلسوا جميعًا بالبهو الواسع، فبدأت فاطمة تتفحص المكان ومالت على زوجها تهتف بغيرة واضحة
هي دي الفيلا اللي كنت شاريها للمحروسة مرتك؟
امتعض وجهه وردد بحدة أجفلتها
أسميها المرحومة يا فاطنة مش المحروسة، والفيلا دي بتاعة سليم، هو اللي شاريها بحر ماله.
قوست فمها بطريقة ساخرة، واقترب محسن بترحاب، وبدأ سليم جولة التعارف بينه وبين عائلته، فرحب كل من فرج ومحسن ببعضهما البعض وجلسا ليتبادلا بعض الأحاديث الجانبية، حتى صدح صوت فاطمة تهتف
فين عروستك يا سليم؟ هي متكبرة تسلم علينا ولا إيه؟
رمقها سليم بنظرة خطرة يحذرها من التمادي بفعلتها، واتبعه فرج يهتف ممازحًا، ولكن كلماته كانت تحمل رسالة تهديد واضحة لها
هي فاطنة إكده بتحب تهزر دايمًا، بس مش في الوجت المناسب ومش حتعملها تاني.
أطرقت رأسها لأسفل، ونظر سليم لأخيه الأكبر يهمس بأذنه
أمك مش ناوية تجيبها لبر يا سليمان....أني خايف تتعمد تقول لجنة على خبر الحمل.
حرك رأسه رافضًا ومطمئنًا
متخافش يا أخوي.....إديك شفت أبوي حذرها إزاي.
وجد عين أخيه لمعت فجأة وهي تنظر لأعلى متسلطة على الدرج الداخلي المخصص للطابق العلوي، وجنة تهبط عليه بخطوات متهادية ويتبعها أصدقاؤها وأقارب سليم.
ابتلع سليم توتره، وابتسم سليمان لمنظر أخيه السعيد، ثم عاد لينظر إلى جنة بإعجاب واحترام، وانحنى لأخيه يهمس بمشاكسه
يا واد إنت دايمًا محظوظ إكده مع الحريم.
ضحك سليم على مزاح أخيه، ووقف من مكانه متجهًا ناحيتها، وظل متسمّرًا أمامها ينظر لها بإعجاب شديد، فقد ارتدت فستانًا أسود طويلًا ذا أكمام، وجمعت شعرها على جانب واحد، فهمس بإعجاب
إيه الجمال ده....أنا مش قدك.
ابتسمت بخجل، فشعر بالسعادة لرؤيتها سعيدة، فقد بدأت ترتدي فساتين أكثر منذ خطبتهما، وكأنها أخيرًا بدأت تستعيد ثقتها بنفسها.
مد يده لها باحترام، وأشار إليها قائلًا
تعالى أعرفك على أهلي.
بدأ بالفعل تعريفها على الجميع، وجلسوا لتناول العشاء، فهتفت فاطمة بفضول
أمال أمك فين يا جنة؟
توترت ملامحها وأطرقت رأسها لأسفل بأسى، فتصنعت فاطمة الاعتذار هاتفة
يجطعني يا بنتي....ربنا يرحم أمواتنا جميعًا.
رددتها ظنًا منها أن والدتها متوفاة، فلم يحاول أي من سليم أو محسن تصحيح ظنها، فسكتا وأخذ سليم يطمئنها بنظرات هادئة.
انتهى العشاء، فجلسوا بجو أسري لطيف يتحدثون عن تنظيمات الغد، ولم يخلُ الأمر من مشاكسات سليمان لأخيه الأصغر، حتى تفرق الجميع كلٌ لمضجعه، فالغد يوم طويل وحافل، فهو يوم زفاف أمير الرومانسية على من اختارها لتكون شريكة حياته.
ودعها سليم أمام باب غرفتها برومانسية هادئة، ثم توقف على مسافة مناسبة منها وهو يقول
سليم.....أنا مبحبش كده.
ابتسم لها بتفهم وردد
حاضر، مش هكرر حاجة تضايقك.
أومأت بخجل تهتف
حتى لو.....بلاش الطريقة دي، أنا مش واخدة منك على كده.
هز رأسه موافقًا
حاضر يا جنتي....ربنا يصبرني لبكره.
بدأ ينصرف من أمامها، لكنه عاد مرة أخرى يردد بحذر
إنتي مش حتعزمي حد من أهلك هنا في مصر؟
أجابته بتلقائية
بابي عزم قرايبه.
هتف بتساؤل
وإنتي؟
حركت كتفيها بالرفض، فردد بدهشة
ولا حتى خالتك.....إنتي قلتيلي إنك بتحبيها أوي.
لمعت عيناها بالحزن وهي تجيبه
كان نفسي أوي أقولها، بس خايفة مامي تعرف منها وتيجي وتجيب معاها....
صمتت ليفهم من منظر وجهها، فأجابها برقة مطمئنًا
أكيد هي أذكى من كده، كلميها وخليها تيجي تبقى جنبك في يوم زي ده.
حاولت التهرب من الأمر مرددة
بس هي عايشة في إسكندرية و....
قاطعها
قوليلها وخليها تجهز نفسها وأنا حبعت عربية تجيبها وترجع توديها، متشغليش بالك.
أمام إصراره أومأت موافقة، وهي تهتف بمداعبة
شكلك إنت اللي عايز تشوفها.
ضحك من تلميحها فأجاب بحسم
أنقذتني من الغرق وأنا صغير وليها عندي جمايل كتير، أهمهم إنها وقفت جنبك عشان تبعدك عنه.
أومأت موافقة، وفور أن دلفت غرفتها هاتفتها، فأجابتها الأخيرة بلهفة بعد سماع صوت ابنة أختها
كده برده يا جنة تبقى في مصر ومتقوليش، وكمان فرحك بكره!!
أجابتها جنة بحزن
وحشتيني جدًا والله، بس الظروف كده وكمان كل حاجة جت بسرعة، المهم أنا حبعتلك عربية بكره تجيبك، بس متقوليش حاجة لمامي.
هتفت إنصاف بتوتر
ماشي يا جنة اللي إنتي عايزاه يا بنتي، وفي مفاجأة كمان إن سهى جت إجازة من كندا.
صرخت جنة بسعادة، فغدًا لن تكون بمفردها، بل سترافقها خالتها وابنتها المقربة لها منذ صغرهما، لتنام جنة وهي تحلم بالغد.
في اليوم التالي تجهز الجميع وارتدوا أزياء السهرة، وتفننت الفتيات بإظهار جمالهن، وكانت جنة أكثر من سعيدة بحضور خالتها وابنتها لتقفا بجوارها.
انتهت من ارتداء فستانها وزينتها الرقيقة، فاقترب منها محسن وقال بفرحة
ألف مبروك يا جنة، وربنا يجعل سليم ابن حلال ويحافظ عليكي يا بنتي.
تأبطت ذراع والدها وهبط بها الدرج المؤدي للحديقة التي ستقام بها جلسة التصوير، فتسلمها سليم من والدها، وعيناه تكادان لا تصدقان شدة جمالها.
دلفا معًا للقاعة وسط تصفيق حاد من الحضور، وبدأت مراسم عقد القران، وفم سليم يتسع لابتسامة عريضة، فلم يستطع إخفاء فرحته، عكس جنة التي شعرت بالرهبة من الوهلة الأولى.
بعد انتهاء مراسم عقد القران، دعا منظم الحفل العروسين لرقصة هادئة على الأضواء الخافتة والموسيقى الناعمة، واندفع حولهما بالونات الصابون وبتلات الورود في مشهد شاعري سحر الجميع.
وقف سليم أمام جنة محافظًا على مسافة مناسبة، ثم مد يده لها، فوضعت يدها في يده، وبدآ الرقص بخطوات بسيطة وسط تصفيق الحضور.
صدحت موسيقى المزمار الصعيدي، فوقف سليمان يحيي
أخاه برقصة خاصة بالجلباب الصعيدي التي تمسك بارتدائها رجال العائلة، فتراقصوا معه برقصتهم الشهيرة، وانزوت الفتيات يحيطن جنة بدائرة صغيرة يتراقصن على أنغام الموسيقى في مشهد سحر الحضور والمتفرجين.
لم يتوانَ سليم بالتوجه لسحب جنة من وسط الدائرة، وأخذ يتراقص معها على أنغام المزمار، وابتسامتها تعلو فمها بسعادة وفرح.
تقدمت بخطوات واثقة، وهي ترتدي ثوبًا أنيقًا، يتأبط ذراعها أبناؤها الذين تخطى طولهم طولها، فقد ورثوا بنية أبيهم الفارعة.
صعدت حلبة الرقص، وفرقت الجموع المحيطة بجنة، ووقفت أمامها بابتسامة مشتاقه تهتف بفرحة
ألف مبروك يا جنة، مع إني زعلانة منك عشان أكون آخر من يعلم.
فزعت جنة فور أن رأتها، وتراجعت خطوة إلى الخلف، وهي تهمس من بين أسنانها
مامي!!!
لمح محسن المشهد، فهب واقفًا لتجول حالة من الهرج في أجواء الزفاف التي كانت سعيدة حتى قدومهم، فتقدم منهم وهتف بحدة
إيه اللي جابك يا هبة؟
دفعها عصام للخلف بلفتة متصنعة الرقة، واقترب من سليم ومد ساعده يردد
مبروك.
نظر له سليم بعيون جاحظة مليئة بالكره والغضب، وكانت عيون عصام مرتكزة على جنة المرتجفة من الخوف، ليردد بصوت ساخر
كبرتي يا جنة وبقيتي عروسة زي القمر.
صر سليم على أسنانه، وهو يقف بجوارها داعمًا لها، وباليد الأخرى أشار لعصام أن يبتعد، هاتفًا بصوت أجش
خليك معايا أنا يا أستاذ.
دارت حرب نظرات بينهما، قطعها صوت ارتطام حاد، فنظر سليم بجواره ليجد جنة مفترشة الأرض بجسدها غائبة عن الوعي ووجهها شاحب يغزوه قطرات العرق.
لم يتوانَ في حملها والهرولة بها سريعًا خارج أبواب القاعة، يتبعه مراد ومحسن، وسبقهم سليمان بفتح باب السيارة لسليم ليضعها في المقعد الخلفي، ويقود بهم سليمان بسرعة باتجاه المشفى، وهو ينظر لأخيه بمرآة السيارة الأمامية متعجبًا مما يحدث.
تبعهم مراد ومحسن، الذي ظل يدعو لابنته ويلعن ذلك الوغد على إفساد فرحتها، أما إنصاف فوقفت توبخ أختها بحدة
إنتي إيه اللي جابك؟ حلو اللي حصل ده؟ حرام عليكي يا شيخة بوظتي فرح بنتك.
أجابتها الأخيرة بمعاتبة
كنتي عايزاني محضرش فرح بنتي!! أنا مش فاهمة إيه اللي جرالها؟
ضحكت بسخرية وهي تجيبها بامتعاض
خليكي مش عارفة....كان يتقطع لساني قبل ما أقولك يا شيخة، كنت بحسبك بني آدمة وحتحسي ببنتك وتيجي لوحدك من غيره....إيه اللي خلاكي جبتيه معاكي يا هبة؟
أومأت ببرود تردد
ده زي أبوه وكان فرحان ونفسه يشوفها عروسة.
قوست وجه إنصاف بامتعاض وتخاذل من موقف أختها تجاه ابنتها، فابتعدت عنها وهي تضرب كفًا بالآخر باستسلام من أفعالها، لاعنة نفسها على تسرعها وإخبارها بزواج ابنتها.
هرع سليم يحمل عروسه إلى داخل المشفى وهو يصرخ بذعر
دكتور.....عايز دكتور!
التقطها منه فريق التمريض وبدأ الأطباء بإسعافها، وهو يجوب الغرفة مجيئًا وإيابًا، وأخوه يقف بالخارج برفقة مراد ومحسن.
لحظات حتى تقدم منه الطبيب يخبره بالأمر
متقلقش، هي ضغطها كان واطي شوية ويمكن ده سبب الإغماء، واضح إنه من مجهود الفرح أو إنها اتعرضت لضغوط جامدة. أنا اديتها حقنة منومة حتنام للصبح، وبكره حرجع تاني أعملها شوية فحوصات عشان نطمن أكتر.
ردد بتحفظ
يعني حتبات هنا؟
ابتسم الطبيب وردد
أنا فاهم إن الليلة فرحكم، بس أنا شايف إنها محتاجة للراحة، ولو حابب تاخدها مفيش مانع، بس ياريت تعملها الفحوصات دي في أقرب وقت. وألف حمد الله على سلامتها.
خرج سليم يطمئن أباها بعد أن قرر إخراجها من المشفى حتى لا تتأذى نفسيًا أكثر من ذلك، فعاد بها إلى فيلته وأراحها على الفراش، وساعدتها خالتها ورايتشيل على تغيير فستانها إلى ثوب منزلي مريح.
أما سليم فوقف يحدث مراد بغرفة مكتبه مرددًا بغضب
مش كفاية كده عليه ولا إيه؟
أومأ له مراد ليستطرد الأول
أنا كنت وعدتها إني مش حسيبه، بس هو اللي لعب في عداد عمره، ومشكلته إنه لعب مع الراجل الغلط.
التفت لمراد وهتف بتساؤل
كل حاجة جاهزة؟
أجابه مراد بخضوع
مستني أوامرك.
ردد سليم بقسوة
نفذ.....قبل ما أسافر شهر العسل يكون الموضوع ده خلص.
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
أفاقت من نومها صباحًا لتجد سليم يجلس بالقرب منها بملابس زفافه كما هو، فحاولت أن تعتصر رأسها لتتذكر أحداث الأمس.
شهقت بحزن وبكت بألم فور تذكرها حضور ذلك البغيض ونظراته التي أعادتها لنفس الفترة التي كانت أسيرة تجاوزاته وتحَرشه بها دون قدرتها على منعه.
شعر سليم برجفتها وعبراتها، فاستدار إليها على الفور، لكنه لم يقترب منها، وهتف بهدوء
أنا جنبك....متخافيش.
بصوت باكٍ أجابته
الفرح باظ.
هز رأسه مطمئنًا
فداكي....حعملك غيره.
جلست مترددة في سؤاله، لكنها اتخذت قرارها بالنهاية وهتفت
أهلك قالوا إيه امبارح؟
حرك رأسه بعدم اهتمام
ولا حاجة...ومش عايزك تشغلي بالك بأي حاجة، ودلوقتي عايزين نجهز نفسنا عشان نسافر.
نظرت لأسفل بخجل وخوف في آن واحد، ثم سألته
مين اللي غيرلي هدومي؟
أجابها ببساطة
خالتك.
أطرقت رأسها تهتف بخجل
ومامي مشيت؟
أومأ لها، فرفعت عينيها تنظر له بحزن، لكنه قال بصوت هادئ
مش عايز أشوف نظرة الحزن دي في عينيكي أبدًا.
ساد الصمت بينهما للحظات، ثم قال لها
خدي وقتك واهدي، وإحنا مش مستعجلين على أي حاجة.
رفعت عينيها إليه، فابتسم لها مطمئنًا
أهم حاجة عندي إنك تكوني مرتاحة وآمنة.
أومأت له، بينما ظل هو جالسًا بعيدًا عنها حتى تشعر بالأمان، ثم تحدثا عن السفر وما ينتظرهما خلال الأيام القادمة.
وبعد قليل خرج من الغرفة ليترك لها المساحة التي تحتاجها، بينما بقيت هي تفكر في أحداث الأمس وما حدث منذ وصول والدتها إلى الزفاف.
دلفت ناريمان تتمختر بمشيتها أمام عصام وتتدلل عليه أثناء تمريرها الأوراق له ليوقع عليها، ولكنه لم يتوانَ في أن يظهر لها عدم اهتمامه، فهتف بصوت جاد
إنتي مش شايفة إحنا فين ولا إيه؟ بتنسي دايمًا إن مركزي حساس وأي غلطة بفورة.
اقتربت منه وهي تهمس بثقة
بقى بعد السنين دي كلها اكتشف إن مزاجك في الأندر إيدچ؟ طيب كنت قولي وأنا أظبطك...بس أنول رضاك يا باشا.
نظر لها عصام بنظرات حادة يهتف بتحذير
بلاش اللعب معايا أنا بالذات يا ناريمان، إنتي مش قدي وعارفة أنا أقدر أعمل فيكي إيه؟
ابتلعت لعابها برهبة زعزعتها قليلًا، لكنها عادت تردد بثقة
أنا كل اللي عايزاه أنول رضاك.
ابتسم بزاوية فمه وردد بكبر
ومنين جبتي الكلام ده؟
أمالت رأسها للجانب تهتف بصوت رقيق
اللي يسأل ميتوهش، وأنا من سنين نفسي أعرف إزاي أقدر أكسب رضاك.
حرك رأسه عدة حركات متتالية، ورمقها بنظرة متفحصة يهتف بفضول
وناوية تعملي إيه بقى؟
أخرجت هاتفها وأرته صورة لفتاة صغيرة، ثم قالت
دي بنت الشغالة اللي عندي، وأمها محتاجة فلوس، وأنا أقدر أرتب الموضوع بطريقة تخليني أكسب رضاك.
تجمدت ملامحه للحظة، ثم نظر إليها بحدة
إنتي بتتكلمي عن إيه؟
أجابته دون تردد
قلتلك يا باشا، كل اللي عايزاه رضاك.
ضرب بيده على المكتب بغضب
إنتي مجنونة؟ البنت دي طفلة، وإياكي تفكري تقربي منها أو تدخليها في أي حاجة من النوع ده.
تراجعت ناريمان خطوة، بينما أكمل بصرامة
ولو حاولتي تعرضي عليها أو على أهلها أي حاجة من الكلام ده، أنا بنفسي هحاسبك. فاهمة؟
أومأت برأسها في خوف، فأشار لها بالخروج
اطلعي بره دلوقتي، وأنا هتصرف في الموضوع ده.
لملمت الأوراق من أمامه وخرجت على الفور من مكتبه،
بينما ظل هو ينظر إلى الباب بضيق، ثم تمتم لنفسه
يا ترى مين اللي زقك عليا عشان توقعيني؟ وأنا وديني لأعرف الحقيقة كلها.
يتبع...
هكذا هي الحياة..... لا البدايات التي نتوقعها، ولا النهايات التي نريدها.
هكذا كان حال سليم، يجلس في غرفة مكتبه دون أن يذوق طعم النوم أو الراحة، يفكر في حياته ومأساة زوجته وحبيبته. لم يتخيل في حياته أن تكون حالتها النفسية بهذا السوء، وأن يترك ما تعرضت له في طفولتها كل هذا الأثر بداخلها.
كان عقله يعيد إليه ما حدث بالأمس، وكيف تبدلت حالتها فجأة، وكيف بدا عليها الخوف والاضطراب، الأمر الذي جعله يدرك أن جرحها القديم ما زال مفتوحًا.
تذكر قصتها له عن ماضيها عندما كانت في قبرص برفقته، لكنه بدأ يتساءل
هل أخبرته الحقيقة كاملة؟
أم أنها، مثلما فعلت مع والدها، عجزت عن الإفصاح عن كل شيء؟
دخل عقله في دوامة من الأفكار، ولم يستطع الخروج منها، حتى اتخذ قراره.
سيواجه عصام.
بل أقسم أن ينال منه العقاب الذي يستحقه، لكن عليه أن يفكر جيدًا، حتى لا يتحول غضبه إلى كارثة جديدة.
عاد وجهه إلى الوجوم مرة أخرى، ووبخ نفسه
عن أي صبر تتحدث؟
ألم يكفِ كل ما حدث؟
لقد حان وقت وضع حد لكل ذلك، وسيستخدم كل ما يملكه من قوة ونفوذ لتحقيق غايته.
صعد درجات السلم الداخلي المؤدي إلى جناحه، ودلف بهدوء، ليجد رايتشيل لا تزال تجلس بجوار جنة، تراقبها وهي غارقة في النوم، بينما آثار البكاء لا تزال واضحة على وجهها.
رفعت رايتشيل بصرها نحوه عندما شعرت بوجوده، فسألها بعينيه عن حالها دون أن ينطق، فأجابته بتقوس فمها وحزن ملامحها.
اقترب منها قليلًا وتحدث بصوت خافت
اذهبي أنتِ لترتاحي قليلًا يا رايتش.
أومأت بصمت واتجهت إلى الخارج، فاتخذ سليم مكانها بجوار جنة، وظل يراقبها للحظات قبل أن يهمس
سامحيني إني مكنتش جنبك من زمان، وسامحيني إني خذلت وعدي ليكي إني مش هقرب منه.
تململت جنة في نومها عندما شعرت بوجوده، ثم فتحت عينيها ببطء وقالت بصوت ناعس
بحبك يا سليم.
ابتسم لها وقال
وأنا كمان يا جنة.
عادت تردد بضعف لم يسبق أن رآه فيها
أوعى تسيبني.
أجابها بهدوء
مستحيل أسيبك لوحدك.
نظرت إليه بصمت، فأكمل
مش عايزك تبقي كده.... إحنا هنعدي الموضوع ده سوا. أوعى تتكسفي مني أو تخبي عليا إحساسك، وإنتِ وأنا مع بعض هنقدر نعدي أي حاجة.
ابتسمت له وأومأت موافقة.
استطرد سليم
قومي بقى خدي وقتك واهدي، عشان باباكي هيتجنن عليكي من امبارح، وأنا مخلتهوش يطلع عشان ميشفكيش كده.
نظرت إليه بتردد، ثم سألته
إنت زعلان من اللي حصل بينا؟
هز رأسه نافيًا
لا طبعًا.... وعايزك تطمني من الناحية دي. أهم حاجة عندي إنك تكوني مرتاحة، ومش هعمل أي حاجة تخوفك أو تضايقك.
شعرت بالراحة من حديثه، فأكمل
أنا بحبك، وعايزك تعرفي إنك تقدري تقوليلي لأ في أي وقت، وأنا هحترم ده.
أومأت بخجل.
ابتسم لها ثم تحرك ناحية الباب ليعطيها مساحة من الخصوصية، لكنه توقف عند عتبة الباب وسأل
تحبي أبعتلك رايتشيل تساعدك؟
أومأت بالنفي، فابتسم وأغلق الباب خلفه، وهو يتنفس أخيرًا براحة، ويأمل أن تبدأ جنة في تجاوز ما حدث دون أن يزداد جرحها القديم.
كانت عيون كعيون الصقر تتابعه وهو يدلف إلى تلك البناية، لكنه كان محنكًا في كشف المراقبة، فابتسم بخبث وردد في نفسه
أما نشوف مين اللي مسلطك عليا؟
دلف إلى المصعد، ومنه إلى الشقة التي كان يستخدمها في أعماله المشبوهة، وجلس ينتظرها حتى أتت ومعها السيدة وابنتها.
رحب بهن، ثم جلس بغرور واضعًا قدمًا فوق الأخرى، وهتف
طلباتكم؟
أجابت ناريمان على الفور
يا باشا بالنسبة لي مش عايزة غير رضاك، إنما بقى شوف الست زينب تطلب إيه؟
أومأ موافقًا، ونظر إلى السيدة منتظرًا أن تجيبه، فهتفت برهبة
اللي تشوفه يا بيه.
وقف مكانه واضعًا يديه خلف ظهره، ثم اتجه إلى زجاج الشرفة المطلة على الشارع الرئيسي، يتابع الطريق ويتأكد من تنفيذ خطته.
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
دلف سليم إلى مكتبه، وأمسك هاتفه وضرب بأصابعه على شاشته حتى أجاب الطرف الآخر، فهتف بلهفة
وصلت لفين يا مراد؟
أجابه على الفور
ناريمان السكرتيرة فوق معاه دلوقتي.... وإحنا عرفنا الشقة بتاعته ولسه هنكمل باقي الخطة.
قاطعه سليم
اسحبهم من عنده فورًا.... أنا مش موافق على الطريقة دي.
تعجب مراد
أنا مش فاهمك، الدنيا ماشية إزاي وإنت وافقت؟
أجابه سليم بضيق
مكنتش بفكر صح وقتها.... اللي زي عصام الشاطر ده مينفعش معاه الطريقة دي. لا الفضيحة ولا حتى لو اتمسك متلبس بحاجة هتفرق معاه.
زفر مراد من تردد رفيقه، ثم قال
سليم.... اخلص وقول ناوي على إيه؟
أجابه والصرامة تملأ صوته
ستيفانو.
ارتفع ضجيج قلب مراد وهو يستمع إليه، فردد بتحذير
بلاش يا سليم.... الدنيا كده ممكن تولع!
ابتسم سليم بسخرية
وهو ده اللي أنا عايزه. ستيفانو نفسه يسد الدين اللي ليا عنده من سنين، وجه وقته دلوقتي.
قوس مراد فمه بامتعاض وهتف بتخوف
ربنا يستر.
هرج ومرج اكتسح أجواء ذلك المنزل بعد أن تم القبض على كبير العائلة وبعض رجاله، فجلست نساء الدار في البهو الواسع ينتحبن، وكأنهن في عزاء.
انفض الجميع عن أهل الدار بحلول المساء، لتتكرر حالة التوتر في اليوم التالي.
اقتربت الأخت الكبرى من قمر وهمست في أذنها
غياب ابوي لو طال.... البلد حتولع، الرچالة مستحلفين للي عمل البلاغ.
توترت قمر، فهي أيقنت أن بلاغها ضد عائلة الراوي كان من الأسباب التي جعلت الشرطة تراقب مخازن والدها، لكن كيف لها أن تعلم أن فتح باب النار سيحرق الجميع؟
انزوت بجانب
وحيدة، تفكر في حياتها ومعضلتها، وكيف ستخرج من الورطة التي هي بها الآن، فاقتربت منها زوجة عمها تردد بفضول
بجالك يومين جاعدة اكده من ساعة ما جابك سليمان أخو جوزك.... مالك يا جمر؟
ابتلعت غصتها الحزينة وهتفت بهمس حتى لا يشمت بها أحد
سليم حيطلجني يا مرت عمي.
لمعت عيناها بالدهشة
ليه؟ إيه اللي حُصل؟
ابتسمت بمرارة
اللي حُصل كتير جوي يا مرت عمي.... مش وجت حكاوي عاد.
وضعت يدها على بطنها، فنظرت إليها زوجة عمها بتعجب
إنتي حبله يا جمر؟
أومأت بضعف، فابتسمت لها الأخرى محاولة طمأنتها
يبجى متخافيش.... من ميته رچالة الصعيد بترمي أم عيالهم؟ استهدي بالله واصبري.
دمعت عيناها
ونعم بالله يا مرت عمي.
جاءها اتصال وهي تقف أمامه بهيبته المريبة، فنظر إليها بنظرات تملؤها الشك وهي تجيب بابتسامة مصطنعة
أنا في مشوار يا ماما، وشوية كده وحرجع البيت، متقلقيش عليا.
خرج صوت مراد محذرًا
اسمعيني.... انزلي وكنسلي الاتفاق اللي بينا.
تعجبت وهتفت
مش حينفع دلوقتي.
أجابها بحدة
اسمعي اللي بقولك عليه.... الحكاية فيها إن، فاخرجي دلوقتي بدل ما معرفش أخرجك بعدين.
ابتسمت بتصنع
حاضر يا ماما.... جاية حالًا، مش هتأخر.
أغلقت المكالمة ونظرت أمامها بشرود، فقطع شرودها صوت عصام القوي
في حاجة ولا إيه؟
أجابته بهدوء مصطنع
لا، بس جالنا ضيوف وماما عايزة زينب بسرعة عشان تلحق تضايفهم.... أنا هاخدهم وهنزل دلوقتي وأبقى أكلمك تاني.
وقف أمامها يهتف بعيون حادة
هو دخول الحمام زي خروجه ولا إيه؟
ارتجفت وعادت إلى الخلف
أ.. أصل ماما عيزاني بسرعة.
ضحك بصوت عالٍ، ثم قال
إنتي خفتي مني ولا إيه؟ عمومًا روحي شوفي مامتك وضيوفك، بس اعرفي حاجة.... اللي يلعب بالنار ميزعلش لما تحرقه.
خرجت بذعر حقيقي وهي تلعن غباءها لموافقتها على تنفيذ تلك الخطة، وتردد في نفسها
أنا إيه اللي وقعني معاه بس؟ يا رب استر.
تحدث معه بصوت متحشرج بإيطاليته المميزة
استمع لي.... تلك هي الفرصة لترد صنيعي لك. أنت تعلم جيدًا أنني لم أكن أطلب مساعدتك أبدًا، ولكنني فعلًا بحاجة إليك كابو.
أومأ له ستيفانو عبر شاشة الهاتف في تلك المكالمة المرئية، وردد بإيجاز
اطلب فقط يا سليم، وما تريده سينفذ في الحال.
أجابه بغضب وعيون حارقة
عصام الشاطر.... أريده أن يواجه عواقب أفعاله، وأن يدفع ثمن ما فعله بجنة.
تنفس بعمق محاولًا تمالك نفسه من شدة غضبه، ثم أكمل
لقد تسبب في أذى نفسي كبير لها، ولن أسمح بأن يتكرر الأمر مع أي شخص آخر.
نظر إليه ستيفانو باهتمام، ثم قال
فهمت.... تريد أن يكون العقاب رادعًا؟
أومأ سليم
نعم، لكن دون أن تصل الأمور إلى قتل أو أذى لا يمكن إصلاحه.
صمت ستيفانو للحظات، ثم قال
سأرسل لك بعض الرجال الموثوق بهم لتنفيذ ما تريده.
هز سليم رأسه
وأرسل الموت الصامت معهم.
سعل مراد الجالس بجواره محذرًا
بلاش يا سليم.... إنت عارف داني كويس، ده مبيتفاهمش. متخليش غضبك يعميك.
نظر له سليم بغضب، ثم عاد يؤكد حديثه
أرسله معهم يا كابو، لكن خليه يلتزم بتعليماتي.
زفر ستيفانو بحيرة
حسنًا يا صديقي.... ولكن احذر، فأنت تعلم داني جيدًا.
أومأ سليم، ثم أغلق المكالمة واستند إلى ظهر مقعده، وكأنه اتخذ قرارًا نهائيًا.
أما مراد فظل ينظر إليه بتعجب، فهو لا يعلم كل الحقائق، لكنه فهم أن عصام الشاطر قد عبث بالشخص الخطأ.
ظل محسن بجوارها حتى استيقظت وهي تشعر بصداع في رأسها، فهتفت بتعجب
بابي.
ابتسم فور استيقاظها وقال بحزن مكتوم
حبيبتي يا بنتي.... خوفتيني عليكي.
أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته ببطء، ثم هتفت
متخليش رايتشيل تديني المهدئ ده تاني، أنا حاسة إن جسمي مش متقبله.
أومأ موافقًا، واتجه إلى الباب بعد أن سمع طرقات خفيفة، ليفتحه ظانًا أنها إحدى رفيقاتها
دي يا رايتشيل يا جينفر؟
فتح ليجد سليم أمامه، فابتسم وهتف بحبور
طيب بما إنك جيت.... أنزل أنا وأسيبكم شوية مع بعض.
لاحظ سليم التوتر على وجه جنة، فأجابه بتلقائية
بس سيب الباب مفتوح يا عمي.
بتعجب، ترك محسن الباب مفتوحًا على مصراعيه، في حين اقترب سليم من فراشها وجلس على مسافة مناسبة منها، ثم سألها بهدوء
بقيتي أحسن؟
نظرت له بوجل وأجابت بنعم، فابتسم لها وقال
أنا وعدتك إني مش هعمل أي حاجة تخوفك. مش عايزك تخافي من إننا نبقى لوحدنا، أنا بحبك، وأهم حاجة عندي إنك تحسي بالأمان معايا.
نظرت إليه للحظات، ثم أومأت.
أكمل سليم
وبالمناسبة.... إحنا هنبدأ شهر العسل إمتى؟
لم تفهم مقصده، فاستطرد
أنا كنت مجهز برنامج حلو أوي في أوروبا، بس هأجله شوية عشان نقعد في مصر أسبوع كمان. وقعادنا هنا ميمنعش إننا نتفسح ونتفرج على الأماكن اللي في بلدنا وعمرنا ما شفناها.
أومأت له باستحسان، ثم سألته
هنروح فين يعني؟
أجابها
هنقضي يومين في القاهرة مع مرشد سياحي يفرجنا على المعالم بتاعتها، وبعدها ممكن نطلع الأقصر وأسوان، بس بما إن الجو حر، نخليهم في الشتاء.
ابتسمت له
وإنت شفتهم؟
ضحك
أنا صعيدي.... ولا نسيتي؟ يعني الحكاية فركة كعب بيني وبينهم.
ابتسمت، ثم قالت
طيب خلي الأقصر وأسوان في الشتا أحسن، أنا مش بتحمل الحر.
أومأ موافقًا
حاضر يا جنتي، اللي تؤمري بيه. يبقى هنغير البرنامج ونروح الجونة، إيه رأيك؟
وافقت، فابتسم لفرحتها وقال
أهم حاجة عندي أشوفك مبسوطة.
بعد مرور يومين قضاهما سليم برفقة جنة في مشاهدة معالم القاهرة الساحرة، عادت إلى الفيلا وهي تحمل ذكريات جميلة عن الأماكن
التي زارتها.
توقفت السيارة أمام الفيلا، وكانت جنة قد غفت أثناء الطريق من شدة الإرهاق.
أيقظها سليم برفق
اصحي يا جنتي.... وصلنا.
فتحت عينيها نصف فتحة وعادت تغلقهما
عايزة أنام.
ابتسم، ثم طلب من الخادمة مساعدتها حتى تصل إلى غرفتها، بينما بقي هو إلى جوارها حتى اطمأن عليها.
دلفت جنة إلى جناحهما، واتجهت إلى غرفتها لتبدل ملابسها وتستعد للنوم، بينما جلس سليم ينتظرها خارج الغرفة.
بعد قليل خرجت وهي تجفف شعرها، فنظر إليها بابتسامة
بتبصيلي كده ليه؟
ابتسم بحبور
مراتي.... ومن حقي أفرح بيكي.
بادلته الابتسام، ثم قالت بمشاكسة
بس لازم يكون في سبب عشان تفضل باصص كده.
أجابها ببساطة
يمكن عشان بحبك.
اتسعت ابتسامتها، بينما ظل هو ينظر إليها للحظات، ثم قال
يلا نامي، واضح إن اليوم كان طويل عليكي.
أومأت له، واتجهت إلى فراشها، بينما جلس هو في الجهة الأخرى من الغرفة.
ساد بينهما هدوء مريح، وشعرت جنة لأول مرة منذ فترة أنها تستطيع الاسترخاء دون خوف.
في مكان آخر، كان الهدوء يخيم على المخزن بعد انصراف داني ورجاله.
جلس عصام في حالة انهيار، عاجزًا عن استيعاب ما حدث له، بينما وقف سليم أمامه بنظرات قاسية.
اقترب منه مراد وقال بحذر
كفاية يا سليم.... اللي حصل خلص.
لم يجبه سليم في البداية، وظل ينظر إلى عصام بصمت، ثم قال
أنا مكنتش عايز أوصل للمرحلة دي، لكن هو اللي اختار الطريق ده.
رفع عصام عينيه إليه بصعوبة، وقال بصوت متعب
إنت فاكر إن اللي عملته ده هيعدي؟
أجابه سليم ببرود
لأ.... وعشان كده أنا مش هسيب الموضوع يعدي من غير حساب.
صمت قليلًا، ثم تابع
بس الحساب مش معناه إني أبقى زيه.
نظر إليه مراد بدهشة، وكأنه للمرة الأولى يرى الغضب يتراجع أمام عقل سليم.
أشار سليم إلى رجاله
فكوه وخدوه للمستشفى.
اعترض مراد
وإنت؟
أجابه سليم وهو يتجه إلى الباب
أنا راجع لمراتي.
خرج من المخزن، بينما بقي مراد للحظات يتابع ما يحدث، ثم أعطى رجاله التعليمات اللازمة لنقل عصام إلى المستشفى.
كانت قمر تجلس في غرفتها، تحدق أمامها بشرود.
لم تستطع النوم منذ أن ظهرت نتيجة التحليل، وكانت كلمات والدتها تدور في رأسها بلا توقف.
لم تعد تعرف كيف تنجو من الكذبة التي صنعتها بنفسها.
طرق الباب، فانتفضت من مكانها، ومسحت آثار دموعها سريعًا.
دخلت زوجة جابر، وأغلقت الباب خلفها، ثم وقفت أمامها بنظرات مليئة بالغضب.
قالت بلهجة حادة
إنتي فاكرة إني نسيت اللي سمعته؟
ارتبكت قمر
سمعتي إيه؟
اقتربت منها المرأة وقالت
كل حاجة.... من أول حكاية الحمل لحد كلامك عن الست اللي كنتي ناوية تروحي لها.
شحبت ملامح قمر، وهمست
هتعملي إيه؟
ابتسمت الأخرى بسخرية
هعمل اللي كان لازم يتعمل من زمان.
أمسكت قمر بذراعها
بالله عليكي متقوليش لحد.
نزعت المرأة ذراعها من يدها وقالت
دلوقتي خايفة؟
أطرقت قمر رأسها، ولم تجد ما تجيب به.
استطردت الأخرى
إنتي لعبتي بالنار يا قمر، ومش عارفة إن النار لما بتشتعل مبتفرقش بين صاحبها وعدوه.
ثم تركتها وخرجت، بينما بقيت قمر

تم نسخ الرابط