كفر العرب
في كفر العرب اللي انا منها، مفيش حاجة بتستخبى. البلد أوضة وصالة، والخبر بيلف على كل البيوت قبل ما صاحب الخبر نفسه يصحى من النوم يعرفه.
وحنان بنت عمي، كانت هي الخبر الحلو الوحيد اللي كان في حياتي من يوم ما فتحت عيني على الدنيا.
حنان.. البنت اللي عنيها عسلي فاتح زي العسل اللي لسه معمول، وضحكتها لوحدها ترد الروح. اللي اتولدت لقيتها في حياتي، أصل بيوتنا لازقة في بعض، باب دارنا في وش باب دار عمي عبد الله، والغيط بتاعنا جنب الغيط بتاعهم. انا رامز، اكبر منها بسنتين، اللي علمتها ازاي تمسك القلم اول مرة، واللي كنت بستناها وهي راجعة من ابتدائي عشان اشيل لها الشنطة وهي تقولي بصوتها اللي لسه مراحش من وداني لحد دلوقتي استنيتك يا رامز.
احنا ولاد عم، وبس. عمي عبد الله اخو ابويا الكبير. واتربينا في حجر بعض. مفيش مرة اكلنا فيها في دارنا ومحسبناش حساب حنان وابوها، ومفيش مرة عملوا اكلة حلوة في دارهم إلا وحنان تيجي جري تخبط وتقول عمتو عاملة كذا.. تعالوا كلوا معانا.
البلد كلها من واحنا عيال كانت عارفة. رامز لحنان وحنان لرامز. دي معادلة محدش بيفكر يغيرها. حتى امي الله يرحمها، كانت كل ما تشوفني ببص على حنان وهي
فضلنا كده لحد ما خلصت الدبلوم بتاعي، وبقيت انزل اساعد ابويا في الغيط يوم واقعد يوم، مستني اي شغلانة ثابته. وحنان بقت في تالتة ثانوي، بقت آنسة بجد، طول بعرض وجمال يخلي اي حد يلف وشه عليها، بس هي عمرها ما بصت لحد غيري. كنا بنتكلم بالنظرات، نظرة منها تخليني طاير طول اليوم.
لحد ما جه اليوم المشؤوم اللي قلب حياتنا كلها.
العمدة بتاع البلد، الحاج عبد التواب. راجل مفتري، عنده يجي 300 فدان وفلوس في البنك ملهاش عدد، وكلمته هي اللي ماشية في المركز كله. جه هو وابنه الوحيد سعفان يخطبوا حنان.
وسعفان ده كان بلوة. واد عنده 28 سنة، لا شغل ولا مشغلة، متعلمش ومكملش، طول النهار لافف بالعربية الربع نقل بتاعة ابوه، من القهوة دي للقهوة دي، وكل شباب البلد بتكرهه عشان لسانه طويل وايده اطول، وكل بنات البلد بتخاف تمشي من قدامه. بس هو ابن العمدة.
انا كنت في الغيط يومها، رجعت لقيت امي بتلطم. بتقولي الحق.. العمدة عند عمك عبد الله جوه بيخطب حنان لسعفان.
الدنيا لفت بيا. جريت على دار عمي. لقيت العمدة قاعد بيشرب الشاي
عمي عبد الله راجل طيب وغلبان. من سنتين الارض بتاعته جابت محصول وحش، اضطر يستلف من العمدة 200 الف جنيه على وصولات امانة، وكان فاكر هيسددهم موسم ورا موسم. بس العمدة مكانش بيرحمه، كل شوية يبعت الغفير يقوله هتدفع امتى. ولما شاف حنان كبرت وحلوت، لعب لعبته القذرة. يا تدفع اللي عليك كله دلوقتي يا تجوزني بنتك لابني واعتبر الدين كله اتسد وفوقه شبكة ودهب ومهر محدش يحلم بيه.
دخلت لقيت حنان في اوضتها لوحدها. كانت قاعدة على الارض، ضامة ركبها لصدرها وبتعيط من غير صوت، عنيها وارمة وشكلها يقطع القلب. اول ما شافتني قامت جريت عليا، مسكت في دراعي كأنها بتغرق وانا القشاية اللي هتنقذها، وقالتلي وهي بتشهق
الحقني يا رامز.. ابويا عايز يجوزني لسعفان.. انا مش عايزة يا رامز.. انا هموت نفسي لو ده حصل.. خدني وامشي من هنا.. انا مش عايزة حد غيرك.
اخدتها في حضني، اول مرة احضنها كده واحنا كبار، وقلتلها متخافيش، محدش هيقدر ياخدك مني طول ما انا فيا النفس. انا هروح لعمي دلوقتي اكلمه راجل لراجل.
خرجت لقيت العمدة مشي، ناديت
عمي بصلّي بصة كلها قهرة وكسرة نفس. راجل كبير وعينه مليانة دموع ومش عارف يرفع وشه في وشي. قالي
يا ابني يا رامز انا عارف انك راجل وهتصونها، وانا طول عمري بتمناك ليها. بس اعمل ايه؟ انا مديون للعمدة ب 200 الف جنيه وصولات، لو مدفعتش بكرة الصبح هيحجز على الدار اللي ساترنا والغيط اللي بناكل منه انا وامك واخواتك البنات. هترمي في الشارع انا واربع بنات وامهم؟ انا مش ببيع بنتي يا رامز والله، انا بسترها هي واخواتها.. غصب عني.
كلامه كان زي السكينة في قلبي. فهمت انه مش بيبيعها، ده مكسور ومحطوط عليه سكينة.
رجعت لحنان وحكيتلها اللي قاله ابوها. لقيتها بتبصلي بصة عمري ما هنساها. بصة كلها رجاء وقهرة وعتاب.
قالتلي وهي بتترعش يبقى مفيش غير حل واحد.. نهرب يا رامز.. نهرب الليلة دي على مصر. على اسكندرية، على اي حتة. انا مستعدة اعيش معاك في اوضة فوق السطوح، انام على البلاط، اغسل هدوم في البيوت، بس ولا اني ابقى مرات سعفان