سلمى وفارس

لمحة نيوز

نهى 
ابعد عنها! 
مستحيل. 

ثواني طويلة مرت. 
وفي الآخر... 
وقعت المسدس من إيد نهى. 
وانهارت على الأرض وهي بتبكي. 
في اللحظة دي دخلت الشرطة وسيطرت على الموقف بالكامل. 
وانتهى الكابوس. 
أو على الأقل... 
ده اللي كانوا فاكرينه. 
بعد يومين... 
رجعوا القصر. 
وسلمى كانت مرهقة جدًا. 
لكنها كانت سعيدة إنها أخيرًا رجعت بيتها. 
رجعت أوضتها. 
رجعت سريرها. 
ورجعت فارس اللي افتقدته. 
وفي الليل... 
كانت قاعدة في البلكونة. 
وفارس جنبها. 
إيده متشابكة مع إيدها. 
وفجأة قالت بهدوء 
أنا خوفت أوي. 
بصلها. 
وأنا كمان. 
ابتسمت وسط دموعها. 
أول مرة أحس إن حد ممكن يهمه وجودي بالشكل ده. 
قرب منها. 
وباس جبينها. 
وجودك هو أهم حاجة عندي. 
حطت إيده على بطنها. 
وإنتِ وهو. 
ابتسمت وهي حاسة إنها أخيرًا لقت الأمان. 
مرت الشهور... 
والحمل كان ماشي كويس. 
وفارس بقى مهووس بسلمى والبيبي. 
لدرجة إنه كان بيتصل بيها عشر مرات في اليوم. 
ولو عطست... 
الدكتور يعرف. 
ولو تعبت... 
المستشفى كلها تبقى تحت أمرها. 
وكان ده بيسبب لها الضحك أوقات. 
لكن جواها كانت مبسوطة. 
لأنها حست أخيرًا إنها محبوبة. 
في الشهر الثامن... 
كان فارس مسافر اجتماع مهم جدًا في لندن. 
وسلمى أصرت إنه يسافر. 
روح يا فارس... أنا كويسة. 
قال بتردد 
مش مرتاح. 
ضحكت. 
أنا حامل مش مريضة. 
وفي النهاية سافر. 
لكن بعد يومين فقط... 
حصل شيء قلب حياتهم كلها. 
كانت سلمى راجعة من زيارة للدكتورة. 
وفجأة عربية نقل كبيرة فقدت السيطرة. 
واتجهت ناحية عربيتها بسرعة مرعبة. 
السواق حاول يتفاداها. 
لكن... 
الحادث وقع. 
بعد ساعات... 
كان فارس نازل من الطيارة كالمجنون. 
أول ما وصله الخبر رجع فورًا. 
دخل المستشفى جري. 
وقلبه بيرتعش. 
مراتي فين؟! 
ابني كويس؟! 
حد يرد عليا! 
الدكتور خرج له. 
ملامحه كانت غريبة. 
مش حزينة... 
لكن متوترة. 
قال 
الحمد لله... المدام بخير. 
فارس غمض عينه براحة. 
لكن الدكتور كمل 
للأسف بعد الحادث حصلت مضاعفات. 
اتجمد فارس. 
يعني إيه؟ 
تنهد الدكتور. 
المدام فقدت الجنين. 
سكت العالم كله حواليه. 
وفارس وقف مكانه كأنه اتحول لتمثال. 
لا... 
همسها بصعوبة. 
لا... 
لكن الحقيقة كانت أقسى من أي كابوس. 
في أوضة تانية... 
كانت سلمى نايمة. 
دموعها نازلة وهي مغمضة عينيها. 
لكن
الحقيقة... 
اللي محدش يعرفها... 
إن الدكتور كان كذاب. 
وإن الطفل ما ماتش. 
وإن واحدة من الممرضات أخدت مبلغ ضخم جدًا علشان تزور التقارير. 
وفي نفس الليلة... 
اختفت سلمى من المستشفى. 
واختفى معاها سر كبير جدًا. 
سر هيظهر بعد خمس سنين... 
لما فارس يشوف طفل صغير نسخة منه وهو ماشي في الشارع. 
يتبع... 
الفصل السابع 
بعد خمس سنوات... 
كانت شمس العصر دافية وهي منورة شوارع إسكندرية. 
الأطفال بيجروا في الحديقة. 
والضحك مالي المكان. 
أما سلمى... 
فكانت قاعدة على مقعد خشب تحت شجرة كبيرة، بتتابع طفل صغير بعينيها. 
طفل عنده خمس سنين. 
شعره أسود ناعم. 
وعيونه البنية الواسعة. 
وابتسامته اللي بتخطف القلوب. 
يزن... متبعدش يا حبيبي! 
لف الطفل بسرعة وهو بيضحك. 
حاضر يا ماما! 
ابتسمت سلمى بحب. 
خمس سنين عدوا... 
وخمس سنين وهي عايشة باسم جديد وفي مدينة جديدة. 
خمس سنين وهي بتحاول تبني حياة هادية ليها ولابنها. 
بعيدة عن فارس. 
بعيدة عن الماضي. 
بعيدة عن الوجع. 
لكن رغم كل ده... 
كانت لسه بتحبه. 
كل يوم. 
كل ساعة. 
ويمكن أكتر من زمان كمان. 
في القاهرة... 
كان فارس المنصوري واقف قدام واجهة زجاجية ضخمة في مكتبه. 
ملامحه بقت أقسى. 
أهدى من بره... 
لكن جواه كان ميت من زمان. 
من يوم ما خسر سلمى. 
خسرها هي... 
وخسر ابنه اللي عمره ما شافه. 
بعد اختفائها من المستشفى قلب الدنيا كلها. 
دور عليها في كل مكان. 
في كل محافظة. 
في كل مطار. 
في كل فندق. 
لكن كأن الأرض انشقت وبلعتها. 
ومع الوقت... 
اختفى الأمل. 
لكن الحب ما اختفاش. 
أبدًا. 
في إسكندرية... 
كان يزن بيلعب بالكرة مع الأطفال. 
وفجأة الكرة طارت بعيد. 
جري وراها بسرعة. 
لحد ما خرج من الحديقة. 
ولمّا وصل للرصيف... 
كانت عربية فاخرة واقفة. 
نزل منها رجل طويل. 
ببدلة سودة. 
وهيبة تخلي أي حد يبص له مرتين. 
الكرة خبطت في رجله. 
انحنى الراجل وأخدها. 
دي بتاعتك؟ 
رفع يزن رأسه. 
أيوة. 
الراجل ابتسم. 
ولأول مرة من سنين... 
ابتسامة حقيقية ظهرت على وش فارس المنصوري. 
لكن الابتسامة اختفت بسرعة. 
لأن عينه ثبتت على الطفل. 
ثانية... 
واتنين... 
وثلاثة. 
حاسس إنه شايف نفسه وهو صغير. 
نفس العيون. 
نفس شكل الفك. 
حتى طريقة الوقوف. 
حاجة غريبة قبضت قلبه. 
فقال بهدوء 
اسمك إيه يا بطل؟ 
يزن. 
عندك كام سنة؟ 
خمس
سنين. 
اتسعت عيون فارس دون ما يشعر. 
خمس سنين... 
نفس المدة بالضبط. 
نفس العمر اللي كان ممكن يبقى عنده ابنه لو عاش. 
بلع ريقه بصعوبة. 
وماما فين؟ 
وأشار يزن ناحية الحديقة. 
هناك. 
لف فارس رأسه تلقائيًا. 
وفي اللحظة دي... 
وقف الزمن. 
لأن الست اللي قامت من على المقعد وبتجري ناحية الطفل... 
كانت سلمى. 
سلمى أول ما شافت فارس... 
اتجمد الدم في عروقها. 
لا... 
مستحيل. 
مستحيل يكون هو. 
لكن كان هو. 
بنفس العيون. 
بنفس الملامح. 
بس أكتر قسوة. 
وأكتر وجع. 
أما فارس... 
فكان باصص لها كأنه شاف شبح. 
لسه مش مستوعب. 
لسه مش مصدق. 
سلمى... 
خرج اسمها من بين شفايفه همسة. 
شهقة صغيرة خرجت منها. 
ومسكت إيد يزن بسرعة. 
يلا يا حبيبي. 
لكن يزن استغرب. 
ماما؟ 
يلا. 
نبرة صوتها المرتعشة خلت فارس يفوق. 
اتقدم خطوة. 
سلمى. 
وقفت مكانها. 
استني. 
غمضت عينيها للحظة. 
لأنها كانت عارفة إن اللحظة دي هتيجي يوم. 
لكن ما كانتش متخيلة إنها هتبقى مؤلمة بالشكل ده. 
فتحت عينيها ببطء. 
ولفت له. 
عيونهم اتقابلت بعد خمس سنين كاملة. 
خمس سنين من الاشتياق. 
والوجع. 
والأسئلة. 
قال فارس بصوت مبحوح 
إنتِ عايشة... 
نزلت دمعة من عين سلمى. 
لكنها مسحتها بسرعة. 
أما فارس... 
فكان باصص بين يزن وسلمى. 
ثم رجع بصره للطفل. 
ومرة تانية لسلمى. 
ثم للطفل. 
فجأة... 
قلبه بدأ يدق بعنف. 
بعنف مرعب. 
لأنه بدأ يلاحظ تفاصيل أكتر. 
تفاصيل ما ينفعش تكون صدفة. 
أبدًا. 
عنده خمس سنين؟ 
سألها بهدوء مخيف. 
سلمى شحب وشها. 
وعرفت... 
إن السر اللي خبته خمس سنين كاملة... 
على وشك ينهار. 
يتبع... 
الفصل الثامن 
كان فارس واقف مكانه، عينه متعلقة بيزن. 
أما سلمى فكانت حاسة إن قلبها هيخرج من مكانه. 
السؤال لسه بيتردد في ودنها 
عنده خمس سنين؟ 
سكتت. 
لكن سكوتها كان كفاية. 
فارس بص للطفل مرة تانية. 
ثم قال بصوت منخفض 
سلمى... قوليلي الحقيقة. 
بلعت ريقها بصعوبة. 
فارس... 
يزن ابني؟ 
الطفل بص بينهم باستغراب. 
مش فاهم حاجة. 
أما سلمى... 
فحست إن مفيش مهرب خلاص. 
بعد خمس سنين من الهروب. 
وخمس سنين من الأسرار. 
الحقيقة لازم تتقال. 
غمضت عينيها. 
ثم قالت 
أيوة. 
اتجمد فارس مكانه. 
رغم إنه كان متوقع الإجابة. 
لكن سماعها حاجة تانية. 
حاجة
وجعت قلبه بشكل عمره ما تخيله. 
ابني... 
همسها بصعوبة. 
وبص ليزن كأنه بيشوفه لأول مرة فعلًا. 
ابنه. 
دمه. 
قطعة منه. 
كبر خمس سنين كاملة بعيد عنه. 
أول كلمة قالها ما سمعهاش. 
أول خطوة مشافهاش. 
أول يوم مدرسة ما حضرهوش. 
خمس سنين كاملة اتسرقت منه. 
رفع عينه لسلمى. 
وكان الوجع ظاهر بوضوح. 
ليه؟ 
نزلت دموعها. 
كنت
فاكرة إنك فقدت الأمل فيا. 
وده يخليكي تحرميني من ابني؟ 
سكتت. 
لأنها عارفة إنه معاه حق. 
لكن هو كمان ما كانش يعرف كل الحقيقة. 
في كافيه هادي بعد ساعات... 
حكت له كل حاجة. 
حكت عن الممرضة اللي ساعدتها تهرب. 
وحكت عن خوفها لما اكتشفت إن ناس من طرف نهى كانوا لسه بيدوروا عليها. 
وحكت عن اعتقادها إن فارس أكيد هيصدق إنها ماتت أو هينساها مع الوقت. 
وفارس كان ساكت. 
بيسمع. 
بس. 
ولما خلصت... 
قال بهدوء 
ولا يوم نسيتك. 
رفعت عيونها له. 
فكمل 
خمس سنين كل يوم كنت بدور عليكي. 
كل يوم. 
كل سنة. 
كل مناسبة. 
كنت مستنيكي ترجعي. 
نزلت دموعها أكتر. 
لأنها لأول مرة تعرف الحقيقة. 
أول مرة تعرف إنه ما استسلمش. 
ولا نسيها. 
أما يزن... 
فكان قاعد جنبهم بيشرب عصيره. 
وفجأة قال 
هو حضرتك تعرف ماما من زمان؟ 
ضحك فارس رغم ألمه. 
أيوة. 
قد إيه؟ 
بص لسلمى. 
ثم ابتسم. 
من قبل ما إنت تيجي الدنيا. 
فكر يزن شوية. 
ثم قال ببراءة 
طب ليه ماما بتعيط؟ 
انفجر الاتنين ضحك وسط دموعهم. 
مرت أسابيع... 
وفارس بدأ يقرب من يزن. 
في الأول الطفل كان متحفظ. 
لكن مع الوقت... 
اتعلق بيه بشكل كبير. 
كانوا يخرجوا سوا. 
يلعبوا سوا. 
ويتكلموا بالساعات. 
وفي يوم... 
كانوا قاعدين على البحر. 
فارس ويزن. 
فسأله يزن فجأة 
هو ينفع أقولك بابا؟ 
اتجمد فارس. 
وحس إن قلبه وقف. 
ثم هز رأسه بسرعة. 
ينفع طبعًا يا حبيبي. 
ارتمى يزن في ه. 
أما فارس... 
فغمض عينيه وهو حاسس إن ربنا عوضه عن سنين طويلة من الوجع. 
بعد شهرين... 
وقف فارس قدام سلمى على نفس البحر. 
المكان كان هادي. 
والهوا لطيف. 
قالت بابتسامة 
سرحت في إيه؟ 
طلع من جيبه علبة صغيرة. 
واتفتحها. 
ظهرت جواها دبلة. 
اتسعت عيونها بصدمة. 
أما هو فابتسم. 
لأول مرة الابتسامة القديمة رجعت كاملة. 
وقال 
إحنا ضيعنا وقت كتير. 
دموعها لمعت. 
فكمل 
تتجوزيني مرة تانية يا سلمى؟ 
ضحكت وسط دموعها.
 
دي أغبى طريقة طلب جواز في التاريخ. 
ضحك هو كمان. 
يعني موافقة؟ 
هزت رأسها. 
موافقة. 
وقبل ما يكمل كلامه... 
سمعوا صوت يزن من بعيد 
مامااا... بابااا! 
لفوا بسرعة. 
ولقوه جاي يجري عليهم وهو بيضحك. 
مسك إيديهم الاتنين. 
وقال بجدية طفولية 
يلا بقى... إحنا أسرة ولا لأ؟ 
ضحكوا كلهم. 
وفي اللحظة دي... 
حسوا إن
تم نسخ الرابط