شك فى القلوب نيرمين

لمحة نيوز


الحقيقة اللي الناس بتنساها في القصص؛ الوجع مخلصش لمجرد إننا نقلنا أو إن أمي خرجت من حياتنا. جسمها فضل تعبان أسابيع. فيه أيام كان الوجع بيجيلها من مفيش. وفيه ليالي كانت بتصحى تعيط وهي مش فاكرة حلمت بإيه. مرة وهي بتطبق الغسيل، لقت ورقة صغيرة كانت كاتبة فيها أسماء مواليد مقترحة.. قعدت على أرضية المطبخ تعيط وأنا حضنتها ومقولتش ولا كلمة.
اتعلمت وقتها إن الحب مش إنك تلاقي الكلمة المثالية، الحب إنك تفضل موجود في الأوضة لما ميبقاش فيه أي كلام يتقال.
بعد حوالي شهرين، في يوم جمعة، لقيتها قاعدة في بلكونة الشقة الجديدة، لافة شال حول كتافها وكوباية القهوة بردت جنبها. شكلها كان أهدى من أسابيع، مش عشان الوجع راح، بس عشان مابقاش بيفاجئها كل ساعة. قعدت جنبها. بعد شوية قالت أصعب حاجة مكنتش إني فقدت البيبي. بصيت لها بتركيز.
الأصعب كان إني شفت الشك دخل وشك بسرعة إزاي.. كأن الغدر كان أسهل في خيالك من إنك تتصور وجعي.
الكلمات وجعتني لأنها كانت في مقتل.
أنا عارف.
وأنا مش شايفة إن ده كان بسبب مامتك بس.
عندك حق، اعترفت. ده كان مني أنا كمان.
هزت راسها، وحسيتها ارتاحت إني مهربتش من الحقيقة. بصيت للشارع تحتنا وقلت لها أنا كبرت وأمي هي اللي بتشرح لي كل

حاجة.. مين الناس، نيتهم إيه، مين الطيب ومين اللي بيعمل فخ. لما كبرت وبقيت قادر أقاومها، كان نص صوتها بقى جوا دماغي وكأنه صوتي أنا.
ليلى بصت لي بحنية ممزوجة بإدراك ده طبع السم.. مبيستأذنش قبل ما يمشي في العروق. فهمت وقتها إنها مكنتش بتحارب حزنها بس، كانت بتحارب عشان تفهم جذور ضعفي وهي لسه بتنزف من نتايجه. النوع ده من الحب أصعب من أي رومانسية؛ إنك تشوف الجرح اللي جوا الشخص اللي وجعك، وتقرر هل ده عذر كفاية يخليك تكمل معاه ولا لأ.
أنا بحاول، قلت لها.
أنا عارفة، ردت.
وده كان بداية حاجة جديدة. مش رجوع للي كنا عليه قبل وقعة الحمام وقبل كلام أمي. إحنا مكنّاش عاوزين نرجع؛ لأن النسخة القديمة من جوازنا كانت مبنية على تجنب المشاكل والافتراضات. اللي اتبنى بعد كدة كان أقوى، وأصدق.
رحنا لمتخصص علاقات زوجية. بدأت لوحدي الأول، عشان أعالج البرمجة اللي أمي زرعتها فيا وتصالح مع نفسي. وبعدين روحنا سوا، لأن الجواز بعد الغدروبالذات غدر الأهلمحتاج أدوات أقوى من مجرد وعود بتتقال وقت الندم. اتعلمنا إزاي الدفاع عن النفس بيلبس قناع التبرير. ليلى اتعلمت تقول أنا محتاجة أبعد عن الكلام ده دلوقتي قبل ما الوجع يتحول لسكوت يخنق. واتعلمنا إن بناء الثقة مش خطبة
عصماء، لكن ميات المواقف الصغيرة اللي فيها الأفعال بتبطل تتخانق مع الكلام.
بعد ست شهور، عادل جه اتعشى معانا. كانت أول مرة نقعد إحنا التلاتة في أوضة واحدة من غير ما الكسوف والتقل يسيطروا علينا. جاب معاه كحك وبسكويت من محل بعيد، وعمل نكتة بايخة عن سلاكة الحمام عشان يشوف لو كنا هنقدر نعدي الذكرى دي بالضحك. ليلى برقت له بضحك، وأنا ضحكت من قلبي. وفي السهرة العادية دي، قوة الصورة القديمة البشعة انكسرت للأبد.
مبقتش خيانة.. بقت نجدة. وأنا كنت ههد بيتي عشان فيه حد تاني جهّز خيالي إنه يختار أوحش تفسير الأول.
بعد سنة، كنت راجع البيت من الشغل وشايل طلبات وورد أصفر، ليلى بتحبه. كانت في المطبخ، صحتها أحسن، وروحها رجعت لها، لابس قميص من قمصاني القديمة وبتدندن مع الراديو. ريحة التوم والليمون كانت مالية المكان. وقفت على الباب أبص لها كتير. لفت وشافتني بتبص لي كدة ليه؟ قربت منها وبست راسها عشان كنت هخسر كل حاجة في لحظة غباء، عشان مكنتش شايف بجد. بصت لي بعينيها القوية اللي نجت من كل اللي فات ودلوقتي؟
دلوقتي بتعلم. ابتسمت وقالت كويس.. كمل علّام.
وفعلاً كملت. اتعلمت إن فيه عائلات بتعيش مش بأنها تحافظ على كل الروابط، لكن بأنها تقطع الروابط اللي بتتغذي
على الأذى. اتعلمت إن الأم ممكن تكون مركزية في البطاقة، بس هامشية في الأخلاق. واتعلمت إن الحب من غير وعي ممكن يتسمم بخوف الآخرين. واتعلمت إن الثقة لما بترجع، مبترجعش ب براءة.. بترجع ب اختيار.
أما بالنسبة للحاجة صفية، الكلام وصل للعيلة كلها كالعادة، نص فضيحة ونص تحذير. فيه قرايب أخدوا صفها لأنهم من نفس طينتها، وفيه اللي انسحبوا بهدوء بعد ما عرفوا الحقيقة. فضلت تحكي لأي حد يسمعها إنها كانت بتحمي ابنها. يمكن كانت مصدقة كدبتها عشان تعرف تنام. بس مابقاش ليها حق ترسم حياتي بكلامها تاني.
لأن في الآخر، الصدمة الحقيقية في الحمام مكنتش منظر مراتي وهي تعبانة في حضن راجل تاني. الصدمة كانت إن الحاجة اللي كانت هتهد بيتي مكنتش الخيانة.. كانت الشك اللي ورثته. كانت الأم اللي بتتغذى على السيطرة. كانت الضعف اللي فيا اللي خلاني أفتكر السم حدس وفراسة.
وأول ما سميت كل حاجة باسمها الحقيقي، السكوت في بيتنا اتغير. مابقاش سكوت الشك اللي بيخنق. بقى سكوت الرضا الصعب.. سكوت اتنين مشوا في طريق وحش، ودفنوا اللي راح بصدق، وقفلوا الباب في وش أي شر، واتعلموا إن أجمل قصص الحب مش اللي مفيهاش كسر.. هي اللي بتختار فيها، وعينك مفتوحة، إيه اللي مش هتسمح له يكسرك تاني
أبداً.
تمت

 

تم نسخ الرابط