شك فى القلوب نيرمين

لمحة نيوز


إنك... سكتت. ليلى بصت لي بتركيز قولها. قلت وأنا باصص في عينيها بالعافية هي فاكرة إنك اتجوزتيني عشان تستقري.. إنك كنتِ عاوزة عيشة أمان واخترتيني عشان أنا طيب وسهل يتضحك عليا.
ليلى اتخشبت مكانها. كرهت نفسي في الثانية دي إني ككرت كلام أمي، بس الكدب اللي بيستخبى في حيطان العيلة بيعفّن البيوت. ليلى بربشت بعينيها ثانية، وبعدين ضحكتضحكة قصيرة ومكسورة ملهاش أي علاقة بالفرح.
هي دي فكرتها؟
أيوة.
بعد كل اللي حصل؟
السؤال ده كان شايل تاريخ طويل أوي. لأن ليلى لما قابلتها، كانت بتشتغل في شغلانتين، وبتخلص دراستها بالليل، وبتصرف على خالتها اللي ماتت وسابتها مديونة حتى في تمن الجنازة. ليلى عمري ما طلبت مني مليم. في أول سنة جواز، كانت بتتخانق معايا عشان تدفع نص الإيجار بالمللي عشان محدشوبالذات أمييقول إنها اتجوزتني عشان تتشال. لأ.. لو فيه حد فينا اختار الراحة، فهو أنا.
مسكت إيدها براحة عشان أديلها فرصة ترفض. المرة دي، سابتني أمسكها.
هي غلطانة، قلت لها.
أنا عارفة إنها غلطانة، ردت ليلى. اللي عاوزه أعرفه هو ليه فيه جزء جواك كان مستعد يصدقها؟
السؤال ده فضل واقف بيننا طول الليل. مقدرتش أرد عليه فوراً لأني مكنتش هعرف أكون صادق.. مش هعرف أواجه الأجزاء الوحشة اللي فيا؛ كرامتي، شكي، الغيرة اللي كنت بحس بيها لما ليلى تكون قريبة من ناس زي عادل أكتر من أمي، ضغط شغلي اللي خلاني أسمع للوشوشة أكتر ما أسمع لقلبي.
نمت نوم متقطع على الكنبة. مش عشان ليلى طلبت كدة، عشان السرير بقى مكان أنا ما استحقش أنام فيه الليلة دي. الساعة تلاتة الفجر، صحيت على صوت كحتها في الأوضة، جريت عليها لقيتها منحنية على نفسها وبترتعش، وإيدها ضاغطة على بطنها.
نروح

المستشفى؟ سألتها بخوف. هزت راسها وهي بتنهج لأ.. دوخة بس. بس لما نورت أباجورة السرير، شفت منظر خلى الدم يهرب من عروقي. كان فيه دم تاني. مش من الجرح اللي في دراعها المرة دي.
كان فيه بقعة دم لونها غامق بدأت تفرش على الملاية عند ركبتها. ليلى شافت وشي وبصت مكان ما أنا باصص. لثانية كانت مش فاهمة، وبعدين إيدها طارت للغطاء والغرفة كلها اتهدت فوق راسي.
إبراهيم.. همست برعب.
كنت بتحرك قبل ما أفكر. في الطوارئ، النور الفلورسنت كان بيخلي كل حاجة شكلها أقسى. الناس فاكرة إن الخوف بيبدأ مع الخبر الوحش. بس الحقيقة إن الخوف بيبدأ قبل كدة بكتير. بيبدأ في أوض الانتظار الساقعة. بيبدأ في الاستمارات اللي بتملاها وإيدك مش ثابتة. بيبدأ في نظرة الممرضات اللي بيبقوا أحن معاك لأنهم عارفين إن اللي جاي مش سهل.
الدكتور اللي في العيادة كان بعت التقرير الأولي. سخونية.. جفاف.. ضعف عام.. دلالات مش طبيعية. احتمالية مضاعفات حمل في الأول. حمل.
بصيت للكلمة في الورقة كأنها مكتوبة عن حياة حد تاني. لما دكتورة الطوارئ دخلتنا أوضة الكشف، ليلى كانت بترتعش، والمرة دي مكنش من السخونية. وقفت جنب كتفها وهي بتسألها أسئلة عن الدوخة، والبريود، والدم، والوقعة اللي في الحمام.
وبعدين جه السونار. الأوضة ضلمت. الجهاز طلع صوت زنة واطية. وش الدكتورة هو اللي اتغير الأول. وفي اللحظات اللي زي دي، الكل بيفهم من غير كلام.
أنا آسفة جداً، قالتها بهدوء. ليلى طلعت صوت عمري ما سمعته في حياتي، ويارب ما أسمعه تاني أبداً.
الحمل كان في أوله لدرجة إننا مكنّاش متأكدين. ليلى كانت شاكة، يمكن. كانت هادية الشوية اللي فاتوا، تعبانة بزيادة، شاردة. بس بين الشغل، والسخونية، ومشاكل العيلة،
والروتين اللي بياكل الروح، الموضوع فضل احتمال متمطقش بصوت عالي. ودلوقتي، انتهى قبل ما يبدأ أصلاً.
وقفت مكاني مش قادر أتحرك والدكتورة بتشرح يعني إيه إجهاض، وعلامات الضغط النفسي، والراحة المطلوبة، والتحاليل اللي جاية. كل كلمة كانت بتخبط في ودني وتقع. الحاجة الوحيدة اللي كانت حقيقية هي إيد ليلى اللي كانت بتعصر إيدي من الوجع، ودموعها اللي كانت نازلة في صمت وغرقت شعرها.
رجعنا البيت، وشمس الصبح كانت طالعة رذلة وكئيبة. ساعدتها تنام وقفلت الستائر عشان أخبي الصبح عنها. مابكتش تاني. وده كان أصعب. الوجع اتحول لسكوت مطفي. لفت وشها للحيطة وقالت عاوزة أفضل لوحدي شوية.
هزيت راسي، رغم إنها مكنتش شايفاني.
دخلت المطبخ وقعدت على التربيزة اللي لسه عليها حلة الشوربة من إمبارح. الشقة كانت هي هي، مفيش فيها مسمار اتغير عن ال 24 ساعة اللي فاتوا. السفنجة جنب الحوض.. وصل النور اللي لسه مدفعش ومحطوط تحت مغناطيس التلاجة.. والمفك بتاع عادل لسه على الرخامة، أكيد سابه لما دخل يلحق ليلى. كل الأدلة العادية بتقول إن الحياة ماشية، حتى في الوقت اللي المفروض الدنيا فيه تقف مكسوفة من اللي حصل.
وفجأة.. فهمت سر توقيت أمي. مش التفاصيل الطبيةلسه مكنتش وصلت لهابس فهمت الغل اللي ورا ثقتها دي. كانت عارفة حاجة. كانت عارفة كفاية إنها تسمم الجو قبل ما أي دكتور ينطق بكلمة. كانت عارفة إنها تستناني تحت وتضرب ضربتها وأنا مهدود وضعيف. يمكن كانت بتخمن.. ويمكن كانت بتسمع فتافيت كلام وتسنّها كأنها سكينة. المهم إن فيه حاجة جوايا نشفت واتحجرت.
الساعة تسعة الصبح، كلمت عادل. جالي فوراً من غير ما يسأل. أول ما شاف وشي، بطل يهزر كعادته في المواقف الصعبة. حط شنطة
عدته جنب الباب وقال
فيه إيه؟ حصل إيه يا إبراهيم؟
حكيت له. مش كل التفاصيل، لأن فيه وجع مبيتحكيش وهو لسه طازه. بس حكيت كفاية. المستشفى.. الحمل.. والضنا اللي راح. لما خلصت كلام، عادل كان شكله عاوز يكسر الحيطة بإيده من كتر الغل والقرف من اللي بنعمله في بعض.
وأمك كانت عارفة؟ سألني بذهول.
قالت لي إن الدكتور هو اللي كلمها. عادل كشر بغضب مش راكبة.. متمشيش أبداً.
عارف. هرش في دقنه وقال أنهي دكتور؟ اللي في العيادة اللي جنبنا؟
أيوة.
يبقى تبدأ من هناك.
كانت دي أفيد كلمة سمعتها من ساعات. على الضهر، وليلى نايمة تحت تأثير المسكنات اللي المستشفى كتبتها لها، كنت واقف في العيادة الصغيرة. الممرضة عرفتني فوراً وبانت في عينيها نظرة شفقة من النوع اللي الناس بتخبيه للي لسه فاقدين حد غالي. مأرضيتش أقعد.
عاوز أعرف ليه أمي تم التواصل معاها بخصوص حالة مراتي؟ سألتها بجمود. الممرضة بربشت بعينيها إحنا مكلمناش حد.. ولا مامتك ولا غيرها.
لأ، حصل.
والله يا أستاذ، قالتها بصدق وهي بتبص في الكمبيوتر، مفيش أي سجل لمكالمة زي دي.
قلبي سقط في رجلي. لأن لو العيادة مكلمتش الحاجة صفية، يبقى صفية كدبت. وده مش غريب عليها. بس كدبت في حاجة المفروض مكنتش تعرفها أصلاً! وده ضيّق الاحتمالات لدرجة خلت جسمي يقشعر.
ومين ليه صلاحية يشوف التحاليل الأولية؟ الممرضة اتخضت يا فندم دي أسرار مهنية، مقدرش.. الدكتور نفسه طلع وقتها، راجل في الستين، نظارته دايماً نازلة على طرف مناخيره. شاف وشي وشاور لي أدخل مكتبه. لما عدت عليه السؤال، بان عليه الذهول بجد.
أنا عمري ما كلمت والدتك، قالها بوضوح. ومحدش هنا مسموح له يعمل كدة.
أمال عرفت منين إن فيه حاجة مش مظبوطة؟
تردد ثانية.
. والتردد ده هو اللي فتح أبواب
 

تم نسخ الرابط