شك فى القلوب نيرمين

لمحة نيوز


جهنم.
فيه إيه يا دكتور؟ قلع نظارته وقال إمبارح الصبح، قبل ما إنتوا تيجوا، جالي تليفون من ست قالت إنها والدتك. قالت إنها بتساعد في رعاية مراتك، وإن عندها شكوك إن فيه حمل، وإن ليلى بقت مشوشة وتعبانة.
بصيت له وأنا مذهول.
أنا قلت لها إني مقدرش أناقش أي بيانات مريض. قلت لها بس لو مرات ابنه دايخة أو سخنة، لازم تيجوا تكشفوا. ده كل اللي حصل.
مسكت في إيد الكرسي لدرجة إن صوابعي وجعتني. وهي أصلاً عرفت تسأل عن حمل منين؟ الدكتور رفع إيده بقلة حيلة افتكرت إنكم قولتوا لها.
بس إحنا مقولناش. لا أنا، ولا ليلى، ولا أي دكتور. ده معناه إنها كانت بتراقبها بالملليأو إنها كانت حاشرة نفسها في حياة ليلى من زمان أكتر ما أنا متخيل.
رجعت البيت والدم في عروقي كأنه تلج. أول ما فتحت الباب، سمعت أصوات من الأوضة. صوت ليلى، ضعيف ومخنوق.. وصوت أمي. قطعت الشقة في تلات خطوات. الحاجة صفية كانت قاعدة على الكرسي اللي جنب السرير، شنطتها في حجرها، شياكتها وبرودها اللي ضحكوا على الناس سنين كان باين في وشها. ليلى كان شكلها مهدود، كأن مجرد وجود صفية في الأوضة سحب آخر ذرة طاقة في جسمها.
أول ما أمي شافتني، قامت وقفت.
أهو كويس إنك جيت، قالتها بمنتهى البجاحة. كنت عاوزة أتكلم معاكم إنتوا الاتنين.
لأ، رديت بجمود. إنتي كنتِ عاوزة جمهور يصفق لك. عينيها بردت أوي احترم نفسك وإنت بتكلمني.
لأ، المرة دي مش هيحصل.
الأوضة سكتت خالص. أنا قضيت عمري كله بصغر قدام نظرة عدم الرضا في عين أمي، لدرجة إن جسمي لسه مستني العقاب على نبرة صوتي القوية دي. بس الخوف مبيبقاش ليه لازمة لما الوجع بيحرقه الأول. قربت منها أكتر
كلمتي الدكتور

ليه قبل ما إحنا نروح هناك أصلاً؟ سألتها.
ليلى رفعت راسها فجأة وبصت لها. صفية اتلخبطت ثانية، بس لحقت نفسها بسرعة كنت قلقانة.
قلقانة من إيه؟ رفعت راسها بتبجح من اللي كنت شايفاه بيحصل.
الكلمة نزلت زي القلم. ليلى سندت نفسها وقعدت على السرير، رغم الوجع اللي في جسمها. قصدك إيه بالكلام ده؟ صفية لفت وبصت لها بنظرة حقانية كاذبة الستات بيفهموا بعض. أنا شفت وشك المخطوف.. شفت مداراتك.. شفتي وانتي بتدخلي الصيدلية وتخرجي بسرعة. شفت الفيتامينات اللي في درج المطبخ والعلامات اللي في أجندتك.
حسيت إني هقوم أرجع من القرف. كانت بتفتش ورا مراتي. بتفتش في الأدراج. بتراقب حركاتها. مش حب.. ده هوس وسيطرة عشان تلاقي دليل يثبت الظن الوحش اللي هي أصلاً عاوزة تصدقه.
كنت عاوزة ابني يعرف إيه اللي بيحصل في بيته، صفية قالتها بكل براءة مصطنعة. ليلى بصت لها بذهول إنتي فتشتي في حاجتي؟ صفية مردتش. مكنتش محتاجة ترد، الرد كان مكتوب في البرود اللي على وشها.
افتكرت كل كلمة سم، كل شك زرعته فيا كأنه بذرة، كل محاولة منها عشان تخلي جوازي محكمة هي القاضي فيها. وفجأة، منظر الحمام إمبارح بقى شكله مختلف تماماً. مش عشان عادل عمل حاجة غلط، لا.. عشان أمي كانت مجهزاني للشك بمنتهى الدقة، لدرجة إنه لما حصلت الأزمة، عقلي راح بالظبط للمكان اللي هي عاوزاه.
الحقيقة دي كانت هتحطمني. ليلى شافت ده في وشي. لثانية، نظرتها اتغيرت من الغضب لحاجة تانية.. وجع، أيوة، بس كمان إدراك إن أكبر غدر في الأوضة مكنش بس تفتيش أمي.. كان إنها قدرت تستخدمني أنا كسلاح ضد مراتي.
اطلعي برا، قلتها لأمي. عينيها برقت بغضب متبقاش عبيط!
قلت اطلعي
برا.
أنا أمك!
وهي مراتي.
السكوت اللي جه بعد الكلمة دي كان كأنه حيطة بتتبني بيني وبينها. يمكن فيه جزء من صفية كان دايمًا فاكر إن الكلمة دي مش هتتقال ضدها أبدًا. إن الدم والسن والتعود هيخلوها دايمًا هي الآمرة الناهية. بس البني آدم بيتغير بسرعة لما الكسوف من النفس والوجع بيتقابلوا في لحظة واحدة.
ضغطت على سنانها وقالت البنت دي قلبتك عليا. الكلمة المحفوظة.. أقدم كلمة في التاريخ. كنت هضحك من كتر اليأس لأ.. إنتي اللي عملتي كدة في نفسك.
لثانية واحدة، شفت كره حقيقي في عينيها. مش دراما.. كره صافي. وبعدين اختفى ورا قناع الكبرياء الجريح. أخدت شنطتها وبصت لليلى بصه أخيرة باردة، خلتني أقرب من ليلى أكتر عشان أحميها، وطلعت برا الأوضة.
وعلى الباب قالت هتندم. بصيت في عينيها وقلت يمكن.. بس مش هأندم أكتر من ندمى إني استنيت كل ده عشان أعمل كدة.
لما مشيت، الشقة كأنها أخدت نِفس طويل. قفلت الباب وراها بالترباس، وفضلت ساند إيدي عليه لأن رجلي مكنتش شايلاني. سمعت صوت عياط ليلى تاني من الأوضة.. عياط واطي، كأنها زعلانة من جسمها اللي خذلها. رجعت وقعدت بحذر على حرف السرير.
محدش فينا اتكلم لفترة. وبعدين ليلى همست كنت هقولك يوم الجمعة. بصيت لها بوجع. عن البيبي.. قالتها وهي بتعيط. جبت الاختبار من يومين.. وكنت مستنية عشان أتأكد وأفاجئك.
الوجع اللي في وشها خلاني أحس إن قلبي اتسلخ من مكانه.
أنا آسف، قلتها تاني، والمرة دي الكلمة كان معناها أكبر بكثير من مجرد اعتذار عن الشك. كان معناها اعتذار عن الضنا اللي راح، عن البيت اللي اتسمم بنظرات أمي، عن الشهور اللي كنت فيها مهمل وسايب غريب يتكلم في خصوصيات
جوازنا، وعن إني مخدتش بالي ليلى كانت وحيدة قد إيه وإنت جنبي.
بصت لي كتير وقالت مش عارفة لو كلمة آسف كفاية دلوقتي.
هي فعلاً مش كفاية. الصراحة دي كانت هي أول خيط في تصليح اللي انكسر.
مطلبتش منها تسامحني فوراً، لأن ده كان هيبقى أنانية تانية مني. سألتها هي محتاجة إيه؟ قالت راحة.. وسكوت. وبعدين، وبعد فترة صمت طويلة لدرجة إني افتكرت إنها مش هتنطق، قالت محتاجة نسيب الشقة دي. مش للابد، بس بعيد عن إيد أمي. بعيد عن العمارة اللي الحاجة صفية عارفة فيها الجيران والبواب ومواعيد خروجنا ودخولنا.
ونقلنا. مش بسرعة ولا بشياكة، بس بقرار حاسم. عادل ساعدنا في العزِل. الست أم محمد جارتنا في الدور الرابع، اللي كانت دايماً بتحب ليلى وبنت أصول، لمت معانا الكراتين وعملت نفسها مش واخدة بالها وأنا بعيط في المطبخ على ماج مكسور، لأنه كان الماج اللي ليلى بتحب تشرب فيه الشاي. أخدنا شقة أصغر في حي هادي بعيد عن دايرة أمي. شقة الشمس بتملاها، مفيش فيها بهرجة، بس فيها كل اللي محتاجينه الأمان.
أمي اتصلت واحد وتلاتين مرة في أول أسبوع. مردتش ولا مرة. بعتت رسائل بتتحول من غل لتمثيل دور الضحية، لتحذيرات، لإيموجي أدعية، لخطب طويلة عن بر الوالدين، وفي الآخر بعتت جملة خلتني أعمل لها بلوك للأبد بكرة تعرف مين الست اللي وقفت جنبك بجد لما الدنيا تضيق بيك.
ساعتها فهمت الجوع اللي جواها. هي مكنتش بتنافس ليلى على اهتمامي بس، هي كانت بتنافسها على كياني. على مين اللي ليه الحق يحدد ولائي، ويشكل خوفي، ويفسر كل لحظة سكوت في حياتي. ولأنها مقدرتش تستحمل إنها تخسر الدور ده، اختارت إنها تهد البيت بدل ما تنسحب بكرامتها.

ليلى بدأت تتعافى ببطء. دي
 

تم نسخ الرابط