شك فى القلوب نيرمين
وقعة في الحمام.. وشكّ في القلوب بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
الباقي أنا همشي أنا، قال. بس لو هتحتاج توديها لدكتور كلمني. ماتسيبهاش لوحدها.
هزيت راسي من غير ما أبص له.
لما باب الشقة اتقفل وراه، البيت غرق في سكوت يخنق. من المطبخ شميت ريحة الرز اللي كنت بليته قبل ما أنزل الشغل. دخلت، ولعت البوتاجاز، وبدأت أعمل الشوربة اللي وعدتها بيها، بس كل حركة كانت تقيلة، كأني شايل جبل على كتافي.
كل كام دقيقة، كنت أبص عليها في الأوضة.
ليلى كانت لسه قاعدة مكانها، وشها بقى أصفر أكتر، وباصة في الأرض.
لما دخلت لها بالشوربة، يادوب أخدت معلقتين وحطت الطبق. بصت لي بنظرة هادية قطعت قلبي.
إنت فكرت في حاجة تانية.. صح؟ سألت.
نزلت عيني في الأرض.
مقدرتش أكدب.
أيوة.
ليلى ضحكت ضحكة صغيرة أوي.
مكنتش ضحكة غل.
كانت ضحكة كسرة.
غريبة أوي، قالت بصوت واطي، إزاي الحب بيتبهدل بسرعة كدة.
كنت عاوز أروحلها. كنت عاوز أشرح لها. كنت عاوز أقول إني كنت خايف، ومشتت، ومسموم بكلام بقالي أسابيع بسمعه.
بس هي رفعت إيدها.
مش عشان تبعدني.
بس عشان تطلب مساحة تتنفس فيها لوحدها.
بعدها بشوية، أخدتها لدكتور قريب مننا.
أكد إن السخونية والجفاف والدوخة هما اللي خلوها تقع. بس كان فيه حاجة تانية. حاجة في نتيجة التحاليل الأولية خلت وش الدكتور يتغير تماماً. مشرحش كتير ليلتها، بس قال لنا إننا لازم نرجع الصبح بدري عشان فيه فحوصات تانية ضرورية.
الطريق وإحنا راجعين كان سكوت تام.
ليلى كانت ساندة راسها على شباك العربية، مطفية وساكتة. كنت عاوز أمسك إيدها، بس هي كانت حاطاها في حجرها، مابتتحركش.
لما وصلنا قدام البيت، لقيت أمي قاعدة مستنية قدام المدخل كأنها مستنية خبر
أول ما شافتنا، قامت وقفت.
كنت عارفة إن فيه حاجة غلط في الشقة دي، قالت ببرود وقسوة. واللي جاي لسه أصعب.
رعشة خفت مشيت في ضهري كله.
لأني في اللحظة دي، فهمت حاجة كان لازم أفهمها من زمان.
الوقعة في الحمام مكنتش هي البداية.
دي كانت مجرد الباب.
واللي جاي كان هيهد بيتي، وعيلتي، وكل كدبة كنت غبي لدرجة إني صدقتها.
كانت الحاجة صفية والدة إبراهيم واقفة قدام مدخل العمارة كأن القدر هو اللي زارعها في المكان ده. اللمبة الصفراء اللي فوق باب العمارة كانت مخلية تجاعيد وشها باينة وحادة، وكأنها مرسومة بريشة فنان بيحب الدراما. أول ما شافت ليلى ساندة عليا بضعف، قامت وقفت بانتصار غريب، انتصار الشخص اللي تنبأ بالعاصفة ومبسوط إن أول نقطة مطر نزلت عليه. كانت ماسكة شنطتها على دراعها، شياكتها وبرستيجها كالعادة مفيش فيهم غلطة.. روجها كان مظبوط، بس صوتها مكنش مظبوط أبداً.
قلت لك، قالتها وهي بتبص لي وبعدين تبص لليلى ب قرف. فيه حاجة قذرة بتحصل في البيت ده، وإنت لسه مشفتش الأسوأ.
ليلى اتخضت وجسمها اتشد وهي ساندة عليا. كانت مهدودة، السخونية واكلة جسمها، ومع ذلك كانت لسه محتفظة بكرامتها الهادية اللي الناس بتفتكرها ضعف. إيدها اتسحبت من على دراعي فجأة كأنها مابقتش عاوزة مساعدتي قدام أمي. الحركة دي وجعتني أكتر مما توقعت.
مش وقته يا أمي، قلت لها بضيق. بس الحاجة صفية قربت خطوة، ووطت صوتها عشان السم يوصل مركز أكتر الدكتور اتصل بيا.
جسمي اتجمد مكانه. ليلى بصت لها بذهول ووشها أصفر والدكتور يتصل بيكي ليه أصلاً؟ صفية ابتسمت ببرود عشان لازم حد في العيلة دي يكون بيفكر بعقل.
كل عضلة في جسمي اتشدت. أنا قضيت سنين بخلق أعذار لتدخلات
وهو الدكتور جاب رقمك منين أساساً؟ سألتها. مردتش عليا مباشرة. بصت لليلى بصه الست اللي لقت بقعة في توب أبيض وكانت مستنية تشاور عليها. يمكن دلوقتي تبطلي تمثلي دور الضحية وتقولي الحقيقة.
ملامح ليلى اتغيرت. مكنش وش واحدة حاسة بالذنب، كان وش واحدة مجروحة. جرح نضيف، جرح الشخص اللي يكتشف فجأة إنه مش بيتعامل مع سوء تفاهم، لكن مع قسوة متعمدة. ساندت نفسها على الحيطة وقالت بصوت مبحوح من التعب أنا مش عارفة إنتي بتلعبي لعبة إيه يا حاجة، بس أنا تعبانة أوي ومش حمل كلامك ده.
أيوة تعبانة، صفية ردت بحدة. والتعب ده وراه حكاية. دخلت بينهم فوراً خلاص.. كفاية لحد كدة!
صوتي رن في المدخل وصداه كان عالي. فيه جيران كانوا نازلين على السلم هديوا خطواتهم عشان يتسمعوا، وبعدين كملوا طريقهم. كاميرا المراقبة اللي فوق صناديق البوسطة كانت بتنور وتطفي كأنها شاهد صامت على اللي بيحصل. ليلى غمضت عينيها ثانية، كأن دوشة الكلام دي استهلكت كل طاقتها.
طلعني فوق.. همست.
وطلعتها. مش عشان الحكاية خلصت، لا، عشان أنا عارف أمي كويس وعارف إنها كانت بتجرجري لخناقة كبيرة عشان تقلبها عليا بعدين. وعشان تِقل اليوم كله نزل عليا مرة واحدة الحمام، وعادل، وكسوفي من نفسي، وتحذير الدكتور اللي مكنش واضح، ودلوقتي أمي اللي حاشرة نفسها في تقارير طبية المفروض مابتمسش غير إيدي أنا ومراتي.
فوق في الشقة، المكان كان خانق. ريحة الشوربة
وقفت قدامها كتير.
أنا آسف. بصت لي بهدوء وقالت بصوت واطي آسف على إيه بالظبط؟ السؤال مكنش حاد، وده اللي خلاه يوجع أكتر.
قعدت على الكرسي اللي قدام السرير لأني حسيت إني ما استحقش أقف قدامها. على اللي حصل في الحمام.. على وشي ونظرتي ليكي.. على إني فكرت في الوحش قبل ما أفكر فيكي. ليلى بصت لكوباية المية اللي في إيدها إنت مش بس فكرت في الوحش.. إنت صدقته.
مقدرتش أرد، مفيش دفاع ينفع هنا. برا، صوت عربية نقل معدية في الشارع، والفرامل عملت صوت صرخة في الهوا. في شقة تانية، كان فيه صوت تليفزيون عالي. أصوات المدينة ماشية عادي في وقت بيحاول فيه جوازي يقرر هو لسه موجود ولا انهار.
عندك حق، قلت لها. هزت راسها ببطء كأنها بتأكد الحقيقة دي. شربت بق مية واتوجعت وهي بتبلعه.
لازم ترتاحي.
أنا محتاجة أفهم. الكلمة طلعت منها بتعب مش بغضب. سندت ضهرها على السرير. شعرها المبلول نشف وبقى هايش حوالين وشها. الكدمة اللي عند ركبتها بدأت تسودّ. الشاش اللي على دراعها كان لونه أبيض فاقع وسط جلدها الباهت.
هي مامتك بتكرهني ليه كدة؟ سألت. نزلت عيني في الأرض. لأني من جوايا، كنت عارف إن السؤال ده جاي بقاله شهور، ويمكن سنين. كل كلمة في عزومة، كل تلميحة سم، كل مرة كانت صفية بتبص فيها لليلى كأنها سرقت ابنها مش اتجوزته. كنت بقول لنفسي دي غيرة حموات عادية، الستات الكبار بيحبوا يفرضوا سيطرتهم وإحنا هنستحمل. بس الغيرة العادية مابتكلمش دكاترة من ورا ضهري. الغيرة العادية مابتقفش
هي فاكرة