سأكتب اسمكِ على الرمال ل سعاد محمد سلامه حصري
عن قبول ميراچ لتنفيذ بند الوصية،أي أنها لن تتنازل عن قيمة تلك الأسهم الذي خصها بها جده...
لكن داخله شعور آخر كان يرفض الاعتراف به.
شعور خفي بالغيظ منها..
على الأقل... لن ترحل...
مهما كان دافعها، طمعًا كما أقنع نفسه، أو رغبة في الاحتفاظ بالأسهم، فالنتيجة واحدة... ستبقى، وستُنفذ الوصية...
ابتسم بسخرية وهو يهز رأسه.. قائلًا
في الآخر الفلوس بتكسب.
قطع أفكاره صوت المحامي وهو يغلق أحد الملفات.
أديم، ميراچ أكدت حضورها، أكيد مش هتتأخر.
رد بفتور
أنا مستني.
لكن أصابعه التي كانت تنقر فوق ذراع المقعد كشفت ضيقه، وعيناه لم تتوقفا عن النظر نحو باب المكتب كل بضع ثواني
مرت دقائق أخرى...
وصلت ميراچ قبل لحظات..
أخبرها السكرتير أن أديم سبقها بدقائق، وينتظر بالداخل...
توقفت يدها فوق مقبض الباب للحظة.
لم تكن تخشاه... لكنها كانت تخشى المواجهة. فمنذ لقائهما باامصهد، لم يجمعهما مكان واحد، وكل ما بينهما لم يتجاوز كلماتٍ مقتضبة عبر المحامي...
دفعت الباب أخيرًا...
ثم انفتح الباب....
رفع أديم رأسه بسرعة، واتجهت عيناه نحو الداخل...
دخلت بخطوات هادئة،
تلاقت عيناهما..
لم تبتسم...
ولم يفعل هو...
ساد صمت ثقيل، قطعه المحامي وهو يقف يرحب بها
مرحبًا أستاذة ميراچ.
أومأت برأسها ثم
أغلقت باب مكتب المحامي خلفها، وأطلقت زفرةً طويلة حاولت بها تهدئة اضطرابها...
بينما أديم
كان يقف أمام النافذة الزجاجية العريضة، يعقد إحدى يديه خلف ظهره، بينما تستقر الأخرى داخل جيب سرواله... التفت على صوت الباب، فاستقرت عيناه عليها في هدوءٍ بارد.
لم ينطق أيً منهما...
ثوانٍ مرت ثقيلة، حتى قطع المحامي الصمت وهو ينهض من مقعده.
قائلًا
وصل لى موافقتكم إنتم الاتنين على تنفيذ وصية الحاج نبيل.
أومأ أديم برأسه دون أن يحيد ببصره عنها، بينما جلست ميراج في المقعد المقابل، تحاول تجاهل ذلك الشعور الغريب الذي انتابها تحت نظراته الثابتة.
فتح المحامي الملف الموضوع أمامه، ثم قال بنبرة رسمية
بعد موافقتكم ، أصبح تنفيذ الوصية ممكن لكن فى بند أخير اشترط المرحوم إنكم تعرفوه قبل التوقيع على أي مستند.
انعقد حاجبا أديم... سائلًا
بند آخر.
أجابه المحامي
أيوه، هو مش بند، هو رساله خاصة.
أخرج المحامي ظرفًا بنيًا سميكًا، ما زال مختومًا بالشمع الأحمر... قائلًا
المرحوم وصاني صراحة أن الظرف ده ميتفتحش غير بعد موافقتكم أديم، ويكوت في حضوركم مع بعض.
انتقلت نظرات ميراج إلى الظرف، ثم إلى أديم.
أما هو، فظل يحدق في الظرف للحظات، قبل أن يقول ببرود
تمام افتحه.
هز المحامي رأسه، وأزال الختم بحذر، ثم أخرج ورقة مطوية بخط اليد.
ساد الصمت في الغرفة.
بدأ يقرأ
إذا وصلتما إلى هذه اللحظة، فهذا يعني أن أول اختبار قد نجح... لأن موافقة أحدكما لم تكن تكفي، بل كنت أريد أن أعرف إن كان كل منكما سيحترم كلمتي، حتى وهو لا يعلم ما ينتظره بعدها.
ارتفعت أنظار ميراج نحو أديم في الوقت نفسه الذي التقت فيه عيناه بعينيها.
وأكمل المحامي القراءة
أما الاختبار الحقيقي... فيبدأ الآن.
ساد صمتٌ ثقيل داخل المكتب...
حتى صوت عقارب الساعة بدا أوضح من المعتاد...
تنحنح المحامي وأكمل قراءة الرسالة
أعرف أن كلاً منكما يحمل في قلبه ما يكفي من الأسباب ليرفض الآخر... وربما ما يكفي من الغضب أيضًا.. لكنني لم أكتب وصيتي لأجمع بين شخصين، بل لأُنقذ إرثًا بنيته طوال عمري.
تبادل أديم وميراج نظرة خاطفة، سرعان ما قطعاها.
واصل المحامي
منذ هذه اللحظة، تصبح ميراج شريكًا رسميًا في تنفيذ الوصية، ويصبح أديم المسؤول الأول عن إدارة المجموعة.. ولا يملك أيً منكما حق الانفراد بأي قرار يخص ممتلكاتي أو شركاتي خلال مدة تنفيذ الوصية.
تصلبت ملامح أديم..سائلًا.
يعني إيه؟.
رفع المحامي الورقة قليلًا وأجاب
هكمل بقية الرسالة...
مدة تنفيذ الوصية اثتناشر شهر كاملة. وخلال هذه المدة، تُتخذ جميع القرارات الجوهرية بتوقيعكم الثلاثة معًا... وإذا امتنع أحدكما عن التعاون، تُجمد إجراءات نقل الملكية، ويذهب نسبة الطرف المخطئ للآخر.
ضرب أديم المكتب بطرف أصابعه في ضيق.
يعني إيه... مقدرش أخد أي قرار دون موافقتها.
أغلق المحامي الرسالة ووضعها أمامه.
ده اللى نصت عليه الوصية بالحرف.
التفت أديم إلى ميراج، وقال بنبرة لم تخلُ من الحدة
واضح أن جدي كان بيحب تعقيد الأمور.
رفعت ميراج رأسها بثبات... قائلة
أو يمكن كان على يقين أننا لو سابنا لاختياراتنا، مكناش قعدنا فى أوضة واحدة زي دلوقتي.
لم يرد.
كانت محقة... وهذا ما زاده ضيقًا...
فتح المحامي ملفًا آخر، وأخرج مستندًا جديدًا... قائلًا
فى أمر أخير.
نظر إليه الاثنان في وقت واحد.
قال بهدوء
اعتبارًا من وقت تنفيذ الوصية الآنسة ميراج هتجي تشتغل هنا فى المقر الرئيسي لمجموعة وهيكون لها صلاحية الاطلاع على جميع الملفات المتعلقة بالوصية، وسيكون مكتبها... بجوار مكتب المهندس أديم مباشرة.
ساد صمتٌ ثقيل.
رمشت ميراج ببطء، وكأنها لم تستوعب ما سمعته...
أما أديم، فأطلق ضحكة قصيرة ساخرة، ثم مرر يده على ذقنه وقال
واضح أن جدي مسابش وسيلة إلا وأجبرنا بها على تحمل وجود بعضنا.
أغلق المحامي الملف، ثم قال بحزم
دي وصية واجبة التنفيذ.
دفع أديم مقعده إلى الخلف، ونهض واقفًا...
التقط سترته دون أن ينظر إلى أحد، ثم قال وهو يتجه نحو الباب
وأنا هلتزم بالوصية.
بقيت ميراج جالسة تنظر إلى المحامي الذي ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
أظن أن الأشهر الجايه مش، هتكون سهلة عليكم... مضطر أسيبكم مع بعض دقايق.
ابتلعت ريقها وهي تشعر بتوتر من وجودهما معًا وحدهما لكن أظهرت الثبات..كذالك لديها شعور داخلى بأن الحياة الهادئة التي عرفتها انتهت بالفعل... وأن الغد سيكون بداية فصل جديد، لا تعرف إن كان سيحمل لها النجاة... أم معركة أخرى.
بينما لم يتحمل أديم بقاىهما معًا وكاد يخرج لكن ما إن مسك بمقبض الباب توقفت يده..ثم...
استدار ببطء، واستقرت عيناه على ميراج...
كانت نظرة طويلة... باردة... لكنها تحمل وعيدًا صامتًا، كأنها تخبرها أن ما حدث اليوم لن يمر دون حساب...
اقترب منها بخطوات ثابتة، حتى لم يعد يفصل بينهما سوى مسافة قصيرة.
قال بصوت منخفض، لكنه حاد
لو فاكرة إن الوصية دي هتفرض وجودك في حياتي... تبقي غلطانة.
رفعت ميراج عينيها إليه في هدوء، وكأن كلماته لم تهز فيها شيئًا...
لم تتراجع خطوة...
عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت ببرود
اطمن... آخر حاجة ممكن أتمناها إني أبقى جزء من حياتك.
ضاقت عيناه.. قائلًا
يبقى خليكِ في حالك، ومتقفليش فى طريق.
ابتسمت بسخرية خفيفة قائلة
الطريق مش ملكك يا أديم... ولو القدر حكم إننا نمشي فيه سوا، دي مشكلتك زي ما هي مشكلتي.
اشتد فكه، واقترب منها أكثر قائلًا.
أنصحك متختبريش صبري.
رفعت حاجبها وقالت بثبات
وأنا أنصحك متفكرش إن كل الناس بتخاف منك.
ساد الصمت للحظات..
ظل أديم يحدق فيها، ثم ابتسم ابتسامة باردة وقال
هنشوف... مين فينا هيستحمل التاني أكتر.
أجابته دون أن ترمش
أنا مش داخلة منافسة معاك... أنا جاية أنفذ وصية جدي وبس.
مال برأسه قليلًا وهو يرمقها بنظرة حادة.
متفرحيش أوي... وجودك في الشركة هيكون أصعب فترة في حياتك.
ابتسمت ابتسامة واثقة... قائلة
يبقى حاول متتعبش نفسك... لأنك مش هتقدر تخليني أمشي.
اشتعلت عيناه بالغضب، لكنه اكتفى بأن قال
الأيام بينا.
ردت بهدوء وهي تحمل حقيبتها
فعلًا... الأيام بينا.
استدار بعنف، وفتح الباب بنفس الوقت عاد المحامي ينظر لهما، ثم قال وهو يزفر
واضح إن تنفيذ الوصية مش هيكون سهل.
ابتسمت ميراج ابتسامة هادئة وقالت
عمر الحاجة الصح ما كانت سهلة.
تنحنح المحامي وهو يغلق الملف أمامه، ثم نظر إلى أديم وميراج بالتبادل... قائلًا
فيه نقطة أخيرة يا جماعة... بما إنكم وافقتوا على تنفيذ الوصية، يبقى لازم تتفقوا على معاد كتب الكتاب والزفاف، علشان نبدأ باقي الإجراءات القانونية.
ساد الصمت...
ثم خرجت من أديم ضحكة ساخرة قصيرة، هز بها رأسه وهو ينظر للمحامي وكأنه سمع نكتة.
زفاف؟!... إنت أكيد بتهزر.
اعتدل في وقفته، ثم أردف بتهكم واضح
كفاية أوي كتب الكتاب... إنما فرح وزفة وكلام من ده لأ طبعًا.
التفت إلى ميراج بطرف عينه، ثم أكمل ببرود مستفز
وعلى فكرة... ممكن نختصر الموضوع كله ونعمله في بيت المأذون. عشر دقايق ونخلص، بدل الشو الإعلامي اللي مالوش لازمة.
ظل وجه ميراج ساكنًا، وكأن كلماته لم تمسها، ثم قالت بهدوء
وأنا أصلًا مش فارق معايا الفرح.
رفع حاجبه باستغراب.
فأكملت وهي تنظر إليه مباشرة
لأن الجواز ده بالنسبة لي تنفيذ وصية... مش حلم عمر.
ارتسمت ابتسامة باردة على شفتيه..قائلًا.
أخيرًا اتفقنا على حاجة.
ردت دون أن تهتز
بس فيه فرق بين إننا نختصر مراسم ملهاش لازمة... وبين إننا نقلل من احترام وصية جدي.
تدخل المحامي سريعًا قبل أن يتصاعد النقاش.
المرحوم موضح في الوصية إن عقد القران لازم يتم بصورة قانونية ومعلنة، أما حفل الزفاف فمتروك لاتفاقكما.
نظر إليه أديم وقال بلهجة حاسمة
يبقى مفيش زفاف... كتب كتاب بحضور الشهود وخلاص.
التفت المحامي إلى ميراج قائلًا
ورأيك يا آنسة ميراج؟.
أجابت بعد لحظة صمت
معنديش اعتراض... لكن كتب الكتاب هيكون في بيت والدتي... مش في بيت المأذون زي ما الأستاذ أديم اتفضل وقال.
نظر إليها أديم باستهزاء.
هو إنتِ داخلة تتجوزي... ولا داخلة تعملي مؤتمر صحفي.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت بثقة
لا ده ولا ده... بس واضح إنك مستعجل تخلص، وأنا مش بحب أخلص أي حاجة بدون ترتيب.
للمرة الأولى... لم يجد أديم ردًا سريعًا.
ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم قال من بين أسنانه
أسبوع... وبعدها يتم كتب الكتاب.
أغلق المحامي الملف وهو يبتسم براحة.
ممتاز... يبقى أعتبر ده اتفاق مبدئي، وأنا هبدأ في الإجراءات.
وقف المحامي يجمع الأوراق بعناية، ثم قال وهو يضعها داخل الملف
خلال هبدأ فى إجراءات تسليم الميراث... .
أومأ أديم دون اهتمام، قائلًا!
تمام... لو خلصنا... أنا ماشي.
اوقفه المحامي
لو سمحت يا أديم.
التفت إليه بنفاد صبر.. قائلًا
خير.
ناوله المحامي ظرفًا صغيرًا.
فى نص مهم فى الوصية بتنص إنكم تقيموا مع بعض فى مكان واحد فيها طول مدة تنفيذ الوصية.
نظر أديم له ثم أطلق ضحكة ساخرة... قائلًا باستهزاء
لأ... كده كتير.
رفع عينيه إلى المحامي وقال بحدة
يعني هتجوزها غصب عني... وأعيش معاها كمان.
أجابه المحامي بهدوء
دي رغبة المرحوم.
اشتعلت عيناه.
أشار بإصبعه نحوها. قائلًا
اسمعيني كويس... أنا موافق على الوصية عشان خاطر جدي وبس، إنما متفكريش لحظة إن وجودك هيفرض عليا أي علاقة بينا.
أجابته دون أن يتغير صوتها
متقلقش... لو في حد نفسه العلاقة دي تفضل في حدود الورق، فهو أنا.
ظل ينظر إليها للحظات، ثم ابتسم ابتسامة باردة.
كويس... يبقى اتفقنا...
مرحب بيكِ في.....
يتبع
المواعيد
السبت والثلاثاء
للحكاية بقية
سأكتب اسمكِ على الرمال
الفصل الرابع
خرجت ميراچ من مكتب المحامي، والحيرة تضرب عقلها بعنف...
شعرت بتوهان كأنها تقف وسط أمواج بحر هائج، لا تعرف إلى أين ستدفعها؛ إلى شاطئ نجاة، أم إلى دوامة هلاك لا قرار لها..
تنهدت بعمق، تستنشق الهواء وكأنها تحاول أن تطرد به ذلك الثقل الجاثم فوق صدرها... سارت بضع خطوات، بينما كان عقلها يلح عليها بالعودة إلى مكتب المحامي وإخباره بأنها تراجعت عن تنفيذ الوصية...
لقد كان القرار أسهل قبل أن ترا أديم... تذكرت نظراته إليها، تلك النظرات التي كان الكُره واضحًا فيها، اضطرب قلبهت من جديد.
لم تكن تريد الدخول معه في مناوشات لا تعرف إلى أين ستنتهي، حتى وإن كانت تلك الحرب مؤقتة لعام واحد فقط.
عام...
عام كامل تحت سقف واحد، في مواجهة رجل لا يخفي كراهيته لها...
تنفست بقوة، ثم حسمت أمرها.
ستعود...
ستخبر المحامي بأنها تراجعت...
استدارت وعادت بخطوات مترددة نحو البناية، لكنها لم تخطُ سوى أمتار قليلة حتى توقفت فجأة....
حين توقفت سيارة أديم أمامها...
رفعت عينيها إليها بدهشة، وما هي إلا لحظات حتى انخفض زجاج نافذة السيارة ، ليظهر وجهه أمامها... ينظر إليها بصمت...
نظرة طويلة، باردة، جعلت قلبها يخفق رغمًا عنها...
تحدث أديم بنبرة هادئة تخفي خلفها الكثير
رايحة فين.
عقدت حاجبيها، ثم أجابت ببرود مصطنع
راجعة لمكتب المحامي.
تأملها للحظات، وكأنه يحاول قراءة ما يدور داخل رأسها... قائلًا
ليه.
ترددت قبل أن تقول
نسيت حاجة.
ارتفع أحد حاجبيه بسخرية..قائلًا.
حاجة مهمة لدرجة إنك ترجعي بعد ما خرجتي.
أشاحت بوجهها عنه قائلة
أيوه.
ساد الصمت لحظات، قبل أن يقول بنبرة أمر
اركبي.
التفتت إليه باستغراب.. قائلة
نعم.
أكدها بأمر
اركبي العربية يا ميراچ.
نظرت له بدهشه قائلة برفض
شكرًا مش محتاجة توصيلة.
حدثها بغرور
أنا ما عرضتش أوصلك.
نظرت إليه بحيرة، فأكمل ببرود
أنا بطلب منك تركبي العربية.
اشتعلت عيناها بضيق قائلة
وإنت من إمتى بتأمرني.
ابتسم ابتسامة خالية من الدفء قائلًا
من وقت ما بقيتي جزء من الوصية.
تجمدت ملامحها...
كلماته أعادت إليها كل ما حاولت الهروب منه.
الوصية...
العام الذي ستقضيه معه...
والعداء الذي بدأ قبل أن يبدأ أي شيء...
فتح أديم باب السيارة من الداخل، ثم قال دون أن ينظر إليها
لو كنتِ راجعة عشان تتراجعي عن تنفيذ الوصية، وفري على نفسك المشوار.
اتسعت عيناها بدهشة، بينما رفع نظره إليها أخيرًا..
لأن المحامي اتصل بيا من شوية.
ابتلعت ريقها بصعوبة سائلة
وقال لك إيه.
ثبت عينيه عليها، ثم قال بهدوء أربكها
قال إن رغم إننا خلاص إتفقنا بس إنت لسه مترددة فى قرارك النهائي.
سكت لحظة، ثم أضاف
وأنا جيت أساعدك تاخديه.
نظرت إليه ميراچ طويلًا، تحاول أن تفهم ما وراء كلمات وإستهزأت قائلة.
وإنت اللى هتساعدني.
ضحك أديم ضحكة قصيرة خالية من المرح قائلًا
أيوه... لأن واضح إنك مش عارفة مصلحتك فين... كنت أتمني ترفضي وتستمري على قرارك مش هتعملى شوية حركات ملهاش معني.
اشتعل الغضب في عينيها.
وأنا مش محتاجة حد يقرر بالنيابة عني... وكمان مش بعمل حركات،...
قاطعها قائلًا
يبقى اركبي ونحسم الموضوع.
هزت رأسها برفض قائلة
مش هركب معاك.
أغلق أديم عينيه لثانية، وكأنه يحاول السيطرة على أعصابه، ثم أعاد النظر إليها.. قائلًا بعصبية
ميراچ، أنا مش فاضي لألعابك.
تحدته قائلة
ولا أنا.
يبقي اركبي.
بعناد
قولت لأ.
ظل ينظر إليها للحظات، ثم أطفأ محرك السيارة وترجل منها.
تراجعت خطوة دون أن تشعر، حين أغلق باب السيارة خلفه واتجه نحوها...
وقف أمامها على مسافة قريبة، وقال بصوت أكثر هدوءًا
إنتِ فاكرة إن تنفيذ الوصية هيكون سهل
لم ترد عاود الحديث
سنة كاملة... كل يوم هتقابليني فيه، وكل قرار هيتاخد هيكون بينا، وكل واحد فينا هيحاول يثبت للتاني إنه أقوى.
اقترب قليلًا، ثم قال
وأنا عارفك كويس كفاية عشان أعرف إنك مش هتقدري تكملي أسبوع واحد.
رفعت ذقنها بتحدِ قائلة
متأكد.
أجابها
متأكد جدًا.
تفوهت بتعالي
يبقى إنت اللي خايف.
تغيرت ملامحه للحظة.
ابتسمت بانتصار صغير، لكنها لم تلحظ البسمة المُستهزأة التي إرتسمت بعينيه...
تفوه ببرود
أنا...أديم القصاص.. أخاف منك.
نظرت إليه قائلة
أمال ليه بتحاول تقنعني أتراجع.
ساد الصمت...
كانت تلك هي النقطة التي لم يجد لها إجابة جاهزة...
فهو بالفعل لم يكن يريدها أن تتراجع... لكن ليس لسبب يستطيع أن يخبرها به...
اقترب منها خطوة، ثم قال
لأن وجودك في حياتي بالشكل ده هيكون غلطة.
رفعت عينيها إليه بغضب قائلة
غلطة.
اكد ذلك
أيوه.
سألته
وإنت بتقول الكلام ده ليه.
أجابها
عشان لما تندمي بعدين، ما تقوليش إن أديم ما حذركيش.
ابتسمت بسخرية مريرة.. قائلة
لا متقلقش... أنا أصلًا بدأت أندم.
توقف... للمرة الأولى تبدلت ملامحه بوضوح قائلًا
بدأتي تندمي متأخر.
لم ترد واستدارت نحو مكتب المحامي...
لكن صوته أوقفها
ميراچ.
توقفت دون أن تلتفت... تسمع بقية حديثه
لو رجعتي لمكتب المحامي...
صمت لحظة، ثم أكمل
ونفذتي الوصية، ما ترجعيش بعدها تقولي ياريتني ما كنت إطمعت.
نظرت إليه طويلًا.
لكنها لم تجد سوى ذلك الجمود الذي جعلها تتأكد أن قرارها الأول كان صحيحًا...
استدارت من جديد، وعادت نحو مدخل البناية...
خطوة...
ثم أخرى...
وقبل أن تصل إلى الباب، سمعت صوته خلفها
ميراچ.
توقفت تسمع
القرار قرارك... بس صدقيني هتندمي.
ثم عاد إلى سيارته، وتركها واقفة مكانها.
راقبته وهي يستقل سيارته وينطلق مبتعدًا.
وضعت يدها على صدرها، تحاول فهم ذلك الشعور الغريب الذي اجتاحها دد
لقد كانت تريد منه أن يقول لها
لا تراجعي.
وكانت مستعدة لذلك.
لكنها الآن...
لأول مرة...
لم تعد متأكدة مما تريده.
وقفت ميراچ أمام مدخل البناية للحظات، ثم رفعت عينيها نحو مكتب المحامي في الطابق العلوي...
كان بإمكانها أن تعود الآن...لان تدخل وتضع حدًا لكل هذا...
لكنها تراجعت...
هزت رأسها ببطء، وكأنها تحاول إقناع نفسها بأن الانسحاب ليس هو القرار الصائب.
_ مش هقدر أتحمل...
تمتمت بها، ثم استدارت مبتعدة عن البناية.
خطت عدة خطوات قبل أن ترفع يدها تشير إلى سيارة أجرة كانت تقترب من الرصيف.
توقفت السيارة أمامها، ففتحت الباب وصعدت.
لكنها لم تكن تعلم أن عينين أديم مازالت تراقبانها منذ لحظة خروجها من البناية
كان يجلس خلف مقود سيارته على مسافة غير بعيدة، يتابع كل حركة منها في صمت...
وحين رأى سيارة الأجرة تتحرك، اشتدت قبضته حول المقود.
همس بغضب
يعني هتكملي.
ابتسم ابتسامة باردة، ثم قال لنفسه
يبقي أتحملي بقي.
ظل يتابع سيارة الأجرة بعينيه حتى ابتعدت قليلًا.
لم يكن غاضبًا لأنها لم تتراجع عن الوصية...
بل لأن فكرة أن تتخذ قرارًا يخصه دون أن تضعه في حساباتها أشعلت بداخله غضبًا لم يفهم سببه... أدار محرك سيارته، وتحرك خلفها.
وعيناه لا تفارقان سيارة الأجرة.
قال بينه وبين نفسه، بنبرة حملت وعدًا قاسيًا
تمام يا ميراچ... لو فاكرة إنك كده كسبتي تلت الميراث، تبقي لسه ما عرفتيش أديم.
ضغط على دواسة الوقود قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة خافتة.
هتنفذي الوصية...
صمت لحظة، قبل أن يضيف
بس المرة دي، مش عشان الوصية... عشان تعرفي بنفسك يعني إيه تعادي أديم.
واصل سيره خلفها، بينما كانت ميراچ في المقعد الخلفي لسيارة الأجرة، تنظر من النافذة دون أن تعرف أن السيارة السوداء خلفها لم تبتعد عنها.
أما أديم، فكان قد اتخذ قراره.
إن كانت تظن أن موافقتها ستُنهي الأمر...
فسوف يجعلها تكتشف أن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد.
بشقة لميس
ارتفع صوتها اعتراضًا، وهي تنظر إلى ميراچ