سأكتب اسمكِ على الرمال ل سعاد محمد سلامه حصري
أي حاجة عن الوصية دي.
ضرب والدها كفًا بكف وهو يهتف باستنكار مصطنع
وأنا كمان أول مرة أسمع الكلام ده.
رمقه أديم بازدراء، وقال بحدة
بتمثلوا على مين.
وقبل أن يحتدم الجدال أكثر، طرق المحامي بيده على الطاولة بقوة... قائلًا
من فضلكم... لسه منتهتش من قراية الوصية.
ساد الصمت مره أخري على مضض...
أعاد المحامي نظارته إلى موضعها، ثم تابع القراءة
وقد توقع المرحوم الحاج نبيل القصاص اعتراض أي من الطرفين، لذلك أضاف بندًا ملزمًا...
تبادل الجميع النظرات.
أكمل المحامي بصوت ثابت
في حال إعلان الرفض قبل انقضاء مهلة الثلاثين يومًا المحددة لاتخاذ القرار، يُعد ذلك الرفض نهائيًا وغير قابل للتراجع، وتنتقل الأسهم الخاصة بالطرف الرافض كاملة إلى الطرف الآخر تنفيذًا لرغبة الموصي.
تجمد أديم مكانه...
وتلاشت ثورة غضبه تدريجيًا وهو يستوعب معنى الكلمات...
أما ميراچ، فاتسعت عيناها بصدمة أكبر، ثم التفتت نحو والدها الذي بدا مُنشرحًا للمرة الأولى...
رفع نصر رأسه ببطء، وقال بصوت هادئ يخفي دهشته
يعني... لو أديم رفض دلوقتي... التلاتين في المية بتاعته هتنتقل ل ميراچ.
أجاب المحامي دون تردد
نعم... ده اللى بتنص عليه الوصية بالحرف...
ثم أضاف وهو يقلب الصفحة الأخيرة
أما إذا كانت الرافضة هي الآنسة ميراچ، فتنتقل حصتها كاملة إلى السيد أديم القصاص... ولا يحق لأي طرف المطالبة بها مستقبلًا.
ساد صمت ثقيل...
صمت لم يقطعه سوى صوت أنفاس متسارعة.
قبض أديم على يديه بقوة حتى ابيضت مفاصله، بينما لم تفارق عيناه ميراچ...
أما هي، فكانت تنظر إليه بالقدر نفسه من الصدمة... فهي الأخري لا ترغب في هذا الزواج، ولا تستطيع استيعاب لماذا اختارها نبيل تحديدًا لتنفيذ وصيته.
ثم أغلق المحامي الملف أمامه، وقال بحسم
قدامكم تلاتين يوم فقط... بعدها يسقط حق الرافض، وتُنفذ الوصية كما أراد المرحوم الحاج نبيل القصاص... دون أي استثناء.
ساد صمت خانق، وكأن الهواء قد انسحب من الغرفة...
لم يجرؤ أحد على النطق بحرف...
كان أديم لا يزال واقفًا، صدره يعلو ويهبط بعنف، بينما عيناه لم تغادرا ميراچ لحظة واحدة... نظرات حادة، مليئة بالغضب والرفض، حتى شعرت وكأنها متهمة بجريمة لم ترتكبها...
أما ميراچ، فقد كانت تقبض على حقيبة يدها بقوة حتى شحب لون أصابعها، ثم قالت بصوت متحشرج كأنها تُبرر إتهام تشعر به فى عيون أديم
والله العظيم... أنا معرفش أي حاجة عن الوصية دي.
ضحك أديم بسخرية مريرة.
طبعًا... وهصدق كمان إن باباكِ مالوش علاقة.
التفتت الأنظار إلى سليم البحيري، الذي اشتعل وجهه غضبًا.
احترم نفسك يا أديم... أنا صحيح مدير الحسابات فى شركات خالى،ومعروف إخلاصي فى العمل... وليا مكانتى... ومش محتاج ألف على راجل ميت علشان آخد منه ميراث.
اقترب أديم منه خطوة، وقال ببرود أخطر من الصراخ
اخلاصك فى العمل هو آخر حاجة ممكن أثق فيها.
كاد سليم يندفع نحوه، لكن تدخل نصر وقف بينهما سريعًا... قائلًا بنهي
كفاية... البيت المفروض فيه عزا ، مش في ساحة خناقة.
رفع المحامي صوته بصرامة
لو سمحتم... أي مشادات هتجبرني أنهي الجلسة، ولسه في بنود بالوصية لازم تُقرأ.
التفت الجميع إليه.
فتح الصفحة التالية، ثم قال
أوصى المرحوم أيضًا بتكوين مجلس أمناء لمدة عام واحد تكون مهمته متابعة تنفيذ الوصية، والتأكد من التزام جميع الأطراف ببنودها.
عقد أديم حاجبيه... بسؤال
يعني إيه.
أجاب المحامي
يعني طوال العام الأول، لا يحق لك بيع أي أصل من أصول المجموعة، ولا نقل الأسهم محل الوصية، إلا بعد انتهاء مدة الشرط.
ثم أردف وهو ينظر مباشرة إلى أديم
وأكد المرحوم أن أي محاولة للالتفاف على الوصية أو التحايل عليها تُعد مخالفة صريحة لإرادته، ويُتخذ بشأنها الإجراء القانوني اللازم.
زفر أديم بعنف، ثم مرر يده بين خصلات شعره في انفعال... قائلًا بعصبية
جدي عمره ما كان يجبرني على حاجة بالشكل ده... مستحيل يكون كتب الكلام ده.
أجابه المحامي بثبات
الجواب ده لك كُتب بخط ايد المرحوم، ومرفق مع الوصية.
ثم أخرج ظرفًا بنيًا مختومًا بشمع ... قائلًا
المرحوم أوصى أن يُفتح بعد قراءة البنود مباشرة...
انعقدت الأنظار على الظرف...
فضّه المحامي بحذر، وأخرج منه ورقة واحدة.
ساد السكون مجددًا...
وبدأ يقرأ
إذا كنتم تستمعون إلى هذه الكلمات الآن... فهذا يعني أنني رحلت، وأن أديم يفعل ما توقعت تمامًا... يغضب قبل أن يفهم.
يا أديم...
لو كنت أريد أن أزيد ثروة العائلة فقط، لما وضعت هذا الشرط...
أنا أبحث عن شيء أكبر من المال... أبحث عن إنقاذ العائلة من العدو الذي يعيش بينكم...
ولأنني أعرف أنك ستكره قراري... لم أخبر أحدًا بالحقيقة...
أما أنتِ يا ميراچ...
فإن وافقتِ على هذا الزواج، فأنتِ لا تحصلين على أسهم ولا ميراث...
بل تدخلين معركة قد تكلفك كل شيء.
وإن رفض أحدكما... فسأحترم قراره، لكن وقتها سيضيع السر الذي حاولت حمايته سنوات.
توقفت أنفاس الجميع...
قطب أديم حاجبيه بقوة... قائلًا
سر...سر إيه..ومين العدو اللى وسطينا
قال ذلك وعاد ينظر الى ميراچ كأنها هي ذلك العدو الخفي...أحادت نظرها عنه..!
أعاد المحامي الورقة إلى الظرف، وقال بهدوء
انتهت الرسالة... ولم يذكر المرحوم أي تفاصيل أخرى.
ساد صمت ثقيل، لكن هذه المرة لم يكن سببه الصدمة...
بل السؤال الذي استقر في عقل الجميع
ما السر الذي جعل الحاج نبيل يربط مستقبل إمبراطورية القصاص بزواج شخصين كلٌ منهما له تحفُظ على الآخر.
ظل السؤال معلقًا في الهواء، يضغط على صدور الجميع...
قطع أديم الصمت، وقد عاد إليه شيء من تماسكه، لكنه لم يفقد حدته
أنا مش فارق معايا أي سر... ولو السر ده تمنه جوازي منها، يبقى يفضل مدفون.
ارتجفت ملامح ميراچ، والتفتت إليه بجرح واضح في عينيها..تفوهت بكبرياء
على فكرة... وأنا كمان آخر حاجة ممكن أفكر فيها إني أتجوز واحد شايفني بالشكل ده.
ساد صمت قصير.
قبل أن يتخابث سليم قائلًا بنبرة حاسمة
خلاص... يبقى كل واحد يروح لحاله، والوصية تسقط.
هز المحامي رأسه نافيًا... يقول
لا... الوصية لا تسقط مباشرة قدام الطرفين تلاتين يوم لاتخاذ القرار، وبعدها تُنفذ البنود تلقائيًا وفقًا لما جاء فيها.
قطب سليم حاجبيه... بسؤال
يعني.
رد المحامي بتوضيح
يعني إذا أصر السيد أديم على الرفض حتى انتهاء المهلة، تنتقل الأسهم الخاصة به في هذا البند إلى الآنسة ميراچ... وإذا أصرت الآنسة ميراچ على الرفض، تنتقل إليه... أقصد تنتقل حصتها إلى البشمهندس أديم.
نظر أديم إلى المحامي بضيق... قائلًا
كده خلصنا قراية الوصية.
ليس بعد.
قالها المحامي
فتح حقيبته ، وأخرج مفتاحًا نحاسيًا قديمًا، تتدلى منه بطاقة صغيرة كُتب عليها بخط اليد
لا يُسلَّم إلا إذا حضر أديم وميراچ معًا.
انعقد حاجبا أديم سائلًا.
مفتاح إيه ده.
أجاب المحامي
المرحوم سلمه ليا منذ ست شهور، وقال إنى لن أُديه لك إنت وميراج.
اقترب نصر من الطاولة، متأملًا المفتاح... يسأل
بيفتح إيه.
معرفش.
قالها المحامي ثم أخرج ورقة صغيرة أخرى.
كل ما قاله لي
المفتاح هيوصلهم للحقيقة... لكن الحقيقة مش هيعرفوها إلا إذا كانوا مع بعض.
ابتسم أديم بسخرية... قائلًا
واضح إن جدي كان بيحب الألغاز.
ثم استدار متجهًا نحو الباب.. كي يغادر قائلًا
بالنسبة لي... الاجتماع انتهى.
لكن قبل أن يخطو خارج المكتب، جاءه صوت المحامي هادئًا لكنه حاسم
لو خرجت دلوقتي يا بشمهندس... هتخرج من غير ما تعرف إن جدك كتب خطابًا خاصًا لك وحدك... واشترط ألا أسلمه لك إلا بعد انتهاء جلسة قراءة الوصية كاملة.
توقف أديم مكانه...
أغمض عينيه لثواني، ثم زفر بضيق.
استدار ببطء قائلًا.
عندك خمس دقائق.
أومأ المحامي، وأخرج ظرفًا أسود اللون، كُتب عليه بخط نبيل القصاص
إلى حفيدي أديم... لا تفتح هذا الخطاب إلا إذا كنت ما زلت تكره ميراچ.
اتسعت عينا ميراچ.
أما أديم، فشعر بانقباض غريب في قلبه...
أخذ الظرف من يد المحامي، وظل ينظر إلى اسم جده المكتوب عليه...
كانت تلك أول مرة منذ وفاته يشعر أن الرجل ما زال يحرك خيوط اللعبة... وكأنه خطط لكل خطوة قبل أن يرحل.
اخذ أديم الظرف...داخله سؤال كيف اكتشف أن جده كان يعرفه أكثر مما يعرف نفسه...
ظل أديم يحدق في الظرف الأسود لثواني طويلة.
كانت أنامله مشدودة حوله بقوة، حتى كاد الورق يتجعد بين يديه...
قال المحامي بهدوء
اقرأه..
مزق أديم طرف الظرف بعصبية، ثم أخرج الورقة المطوية.. ظ
بمجرد أن وقعت عيناه على السطر الأول... عرف خط يد جده...
إلى حفيدي... أديم.
ابتلع غصته بصعوبة.
وأخذ يقرأ بصمت...
لكن الكلمات كانت ترتطم بقلبه قبل عقله.
إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فأنت غاضب... وربما تكرهني الآن أكثر من أي وقت مضى.
لكنني أعرفك جيدًا يا حفيدي الأول... ستعترض أولًا، ثم تفكر لاحقًا...
لذلك لا أطلب منك أن تثق في الوصية... بل أن تثق في أنا...
لقد بنيت مجموعة القصاص حجرًا فوق حجر، ولم أسمح لأحد أن يعبث بها طوال خمسين عامًا... فهل تظن أنني سأتركها في النهاية لقرار عاطفي
توقفت عيناه عند السطر التالي...
ميراچ ليست كما تظن... ولو عرفت الحقيقة كاملة، لخجلت من كل كلمة قلتها عنها.
انعقد فكه بقوة...
وأكمل القراءة...
لا أستطيع كشف الحقيقة في هذه الرسالة... لأن بيننا خائنًا، والخطابات قد تقع في اليد الخطأ...
لكن تذكر شيئًا واحدًا...
لا تبحث عن عدوك خارج العائلة... فهو أقرب إليك اكثر مما تتخيل.
ارتعشت يد أديم دون أن يشعر.
رفع رأسه عن الرسالة، وحدق في الحاضرين واحدًا تلو الآخر... الجميع فى دائرة شك
حتى المحامي...
وكأن كلمات جده جعلته يشك في الجميع...
قطع المحامي الصمت قائلًا
هل انتهيت.
طوى أديم الرسالة ببطء. قائلًا
أيوه.
ثم رفع عينيه إليه.. بسؤال يستفسر
فين الحقيقة اللي بيتكلم عنها جدي.
أخرج المحامي ملفًا صغيرًا من حقيبته... قائلًا
الحقيقة مش عندي... لكن عندي أمانة أخرى.
فتح الملف، وأخرج مفتاحًا إلكترونيًا صغيرًا.
المرحوم أودع في أحد البنوك خزينة خاصة باسمك.
اتسعت أعين الجميع.
أكمل المحامي
وكتب صراحة... لا تُفتح الخزينة إلا بحضور أديم القصاص وميراچ سليم البحيري معًا... وبعد توقيعهما على محضر استلام مشترك.
هبّ سليم البحيري واقفًا... يقول
يعني بنتي لازم تروح معاه.
هذا شرط المرحوم.
التفت أديم إلى ميراچ، وكانت تنظر إليه بالحيرة نفسها...
قال ببرود
متقلقيش... آخر حاجة نفسي فيها أقعد معاكِ دقيقة واحدة.
أجابته بنبرة لا تقل جفاءً
وأنا كمان.
ابتسم المحامي ابتسامة خفيفة... قائلًا
الغريب... أن المرحوم كتب ملاحظة أخيرة.
رفع الورقة وقرأ
إذا قال أحدكما إنه لا يطيق الآخر... فأخبره أن هذه أول علامة تؤكد أن خطتي بدأت تنجح.
قطب أديم حاجبيه بغضب.. يقول
كان يقصد إيه؟.
أغلق المحامي الملف، ثم قال
الجواب مش عندي لما تفتح خزنة الببنك هتعرف... لو قررتم منح نفسيكم فرصة لمعرفة الحقيقة.
ساد صمت ثقيل داخل المكتب.
لم ينبس أديم بكلمة...
ولم تجد ميراچ ما تقوله...
كانت نظراتهما وحدها تتواجه... نظرات مشحونة بالرفض والارتباك والأسئلة التي لم يجد أيٌ منهما إجابة لها...
تنهد المحامي، ثم أغلق الملف أمامه بهدوء. قائلًا
القرار في النهاية يعود لكم ... قدامكم شهر تلاتين يوم... وبعدها ستُنفذ الوصية وفقًا لما نص عليه المرحوم.
ظل الصمت سيد الموقف...
لم يلتفت أديم إلى أحد...
طوى رسالة جده بعناية، ثم أعادها إلى الظرف الأسود ووضعه داخل جيب سترته...
استدار بخطوات بطيئة نحو الباب.
حاول نصر مناداته
أديم...
لكنه لم يتوقف.
ضغط على مقبض الباب، ثم فتحه بعنف حتى ارتطم بالحائط، وغادر المكتب دون أن يلتفت خلفه...
تبعته الأنظار في صمت.
وبمجرد أن أغلق الباب خلفه، دوى صوته في الممر وهو يصفق الباب الخارجي بقوة، كأن تلك الصفعة كانت اعتراضه الأخير على الوصية كلها...
خفضت ميراچ رأسها، وشعرت بثقل غريب يجثم فوق صدرها...
لم تكن تدري أيهما يؤلمها أكثر...
رفض أديم القاطع لها...
أم شعورها بأنها أصبحت فجأة طرفًا في معركة لا تعرف سببًا لاندلاعها...
وقفت هي الأخرى بعد لحظات، وقالت بصوت خافت
عن إذنكم.
أومأ المحامي برأسه، رافقها والدها بخطوات سريعة إلى الخارج.
أما نصر، فظل جالسًا مكانه، ينظر إلى الباب المغلق طويلًا، ثم تمتم بأسى
الله يرحمك يا بابا .. يا ترى كنت شايف إيه إحنا مش شايفينه.
أغلق المحامي حقيبته الجلدية، وقال وهو يقف
المرحوم مكنش بيسيب شيئ للصدفة... وأظن أن الأيام الجايه هتجاوب عن كل الأسئلة.
لكن أحدًا لم يكن يعلم...
أن أديم، فور خروجه من المنزل ، أخرج الظرف الأسود مرة أخرى من جيبه، وظل ينظر إلى خط يد جده لثواني ، قبل أن يقبض عليه بقوة، وعيناه تمتلئان بغضب لم يكن يعرف إن كان موجهًا إلى الوصية... أم إلى نفسه.
بينما
خرجت ميراچ من المنزل بخطوات بطيئة، وكأن الأرض تسحبها إلى أسفل... لم تلتفت يمينًا أو يسارًا...مازالت كلمات أديم تتردد داخل رأسها...
إزاي هتجوز أكتر واحدة بكرهها.
شعرت بوخزة مؤلمة في صدرها، رغم أنها لم تكن تطيقه هو الآخر... لم يكن الرفض هو ما جرحها..بل الطريقة التي نطق بها الجملة، وكأن الزواج منها إهانة لا يمكن احتمالها.
بينما فتح سليم البحيري باب السيارة، وقال بنبرة حاول أن يجعلها هادئة
اركبي يا ميراچ.
جلست في المقعد المجاور له، وأغلقت الباب دون أن تنطق... تحركت السيارة، بينما ظل الصمت يرافقهما عدة دقائق.
كان سليم يراقبها بطرف عينه.
ثم قال فجأة
الوصية دي... فرصة عُمر.
التفتت إليه ببطء، وعقدت حاجبيها.
يعني إيه فرصة عُمر.
أجابها
ده حقي اللى اللمفروص كان يبقي ميراث أمي وطمع فيه خالي نبيل.
أشاحت بوجهها نحو النافذة.
بابا بلاش النغمة دي أنا مش شايفة فيها غير مصيبة.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
المصايب ساعات بتفتح أبواب رزق.
التفتت إليه وقد بدأ الضيق يظهر على ملامحها. قائلة
بابا... حضرتك بتفكر في إيه.
أجابها دون تردد
بفكر بعقل... مش بعاطفة.
ثم أكمل
الحاج نبيل سايب لك تلاتين في المية من شركة الشحن... تعرفي يعني إيه تلاتين في المية؟.
لم ترد... استطرد هو بطمع
يعني ملايين... ونفوذ... ومستقبل مضمون.
تنهدت بضيق قائلة.
وأنا مالي بالفلوس دي؟ أنا عندي شغلي وحياتي.
نظر إليها نظرة طويلة قبل أن يقول
شغلك ممكن يضيع في يوم... لكن الفرصة دي عمرها ما هتتكرر.
هزت رأسها برفض... قائلة
حضرتك بتطلب مني أتجوز واحد أعلن قدام الجميع إنه بيكرهني؟
راوغ قائلًا
هو قالها وهو متعصب.
التفتت إليه بسرعة.. قائلة بتأكيد
لا... قالها من قلبه.
ساد الصمت لحظات.
ثم قال سليم بصوت أخفض
اسمعيني كويس يا ميراچ... الجواز سنة واحدة بس.
رمشت بدهشة... وعادت كلمة
سنة؟
برر سليم
أهو الشرط واضح... سنة وتخلص، وبعدها كل واحد يروح في طريقه لو حب.
ارتفع صوتها هذه المرة.
يعني أتجوز جواز مصلحة.
أجابها
سميه زي ما تسميه.
هزت رأسها بعنف برفض قائلة.
مستحيل.
قبض سليم على المقود بقوة، ثم قال بنبرة تحمل شيئًا من الضغط
قبل ما تقولي مستحيل... فكري..الحاج نبيل ماكانش راجل يهزر، ولو اختارك بالذات يبقى كان شايف فيكِ حاجة.
سكت لحظة، ثم أضاف وهو ينظر للطريق
وبعدين... لو رفضتي، يمكن تندمي طول عمرك.
أغمضت ميراچ عينيها للحظات، ثم همست بصوت يكاد يُسمع
أنا مش خايفة أندم...
أنا خايفة أعيش سنة كاملة مع إنسان بيتمنى حتى ما يشوفش وشي.
ساد الصمت داخل السيارة من جديد...
لكن سليم، على عكس ابنته، لم يكن يفكر في كلمات أديم...
بل كان يفكر في الثلاثين بالمائة من أسهم شركة الشحن، وقد بدأت في رأسه خطة لإقناعها بالموافقة، مهما كان الثمن.
عودة
على صوت وضع لميس كوب القهوة على الطاولة بنفس الوقت هبت نسمة محملة ببعض الرمال أغمض الاثنين عينيهن...ثم إستدارن بوجهن عكس تلك النسمة تفوهت لميس بغضب ملحوظ
سليم طول عمره شخص وصولى بلاش تسمعي كلامه...إحنا مش محتاجين الحمد لله مستوانا المادي كويس جدًا وإنتِ بتشتغلي فى شركة محترمة لها فروع خارج وداخل مصر..بلاش تربطي حياتك بوصية ممكن....
توقفت عن الحديث حين سمعن من دخل الى الشُرفة قائلًا باعتراض بارد
هتربط حياتها...دي سنة واحدة وبعدها تقدر تكمل حياتها ولا كأن في حاجة حصلت.
استدارت لميس نحوه بضيق، وقد انعقد حاجباها... قائلة بغضب
إنت شايف الجواز عقد إيجار؟ سنة وتتفسخ وخلاص؟
تقدم سليم بخطواتٍ هادئة حتى وقف أمامهما، واضعًا كلتا يديه داخل جيبي بنطاله، ثم قال بثقة
أنا شايفها فرصة عمرها... وصية الحج نبيل هتغير مستقبلها كله... سنة تضحية مقابل حياة كاملة من الاستقرار والنفوذ.
هبت لميس واقفة، وقالت بحدة
الاستقرار اللي بييجي على حساب كرامة البنت ما يبقاش استقرار... يبقى صفقة.
بينما ظلت ميراچ صامتة، تتنقل بنظراتها بين والدها ووالدتها، تشعر وكأنها لم تعد محور الحديث، بل أصبحت الجائزة التي يتجادل الجميع حولها، دون أن يسألها أحد ماذا تريد هي.
لحظات
ساد الصمت... لم يُكسره سوى صوت الأمواج المتكسرة في البعيد.
رفع سليم نظره إلى ميراچ، وقال بنبرةٍ أكثر هدوءًا، وكأنه يحاول إقناعها هذه المرة
أنا عمري ما أجبرتك على حاجة يا ميراچ...حتى لما أختارتي تعيشى مع مامتك بعد إنفصالنا.. لكن في فرص لو ضاعت، مبتتعوضش. الحج نبيل اختارك لسبب، وأديم رغم كل اللي بيتقال عنه، راجل ناجح ومحترم... وأي بنت تتمني يرتبط اسمها بإسمه.
هزت لميس رأسها باستياء.. قائلة
ومحترم يبقى يتجوز بنت غصب عنه ! دي حياة بنتك يا سليم، مش ورقة في ملف شركة.
زفر سليم بضيق، ثم قال
محدش قال غصب... القرار في الآخر قرارها... لكن لازم تشوف الصورة كاملة... لو رفضت، هتخسر حق كبير كان ممكن يبقى ليها.
أخيرًا رفعت ميراچ رأسها، وكانت نظراتها مضطربة... قائلة بسؤال
وأنا لو وافقت... هكسب إيه.
نظر إليها سليم بثبات وقال
هتكسبِ مستقبلك.
لكن لميس قاطعته فورًا
ولو خسرت قلبها؟ ولو كل يوم من السنة دي صحيت وهي حاسة إنها عايشة مع راجل غريب عنها؟ مين هيعوضها.
ابتلعت ميراچ ريقها بصعوبة، ثم همست
هو... أديم موافق أصلًا.
تبادل سليم ولميس النظرات، قبل أن يجيب سليم
متأكد كلام المحامي... هيجبره يوافق ينفذ الوصية.
انعقد حاجباها... بسؤال
ينفذ الوصية... ولا يتجوزني؟
لم يجد سليم إجابة مباشرة، فاكتفى بالصمت.
ابتسمت ميراچ ابتسامة حزينة، وقالت وهي تنهض من مقعدها
دي أول مرة أحس إن اسمي مكتوب في وصية... سهل يتمحي.
استدارت لتغادر الشرفة، لكن صوت سليم أوقفها
فكري بعقلك يا ميراچ.
التفتت إليه، وقد