يتيمة الصعيد ل مايا خالد

لمحة نيوز


رغم كل اللي عمله فيها...
أول ما شافته غرقان في دمه، قلبها وجعها. جرت عليه من غير ما تحس ركعت جنبه وهي بتبكي سليم... افتح عينيك.
فتح عينه بالعافية. ولما شافها...
ابتسم لأول مرة من يوم ما اختفت همس بصوت ضعيف الحمد لله... إنك بخير.
شهقت وهي تمسح الدم من على وشه.
إنت مجنون... كان ممكن تموت.
رد وهو بيبصلها بعين مليانة ندم
لو موتي هيكفر عن اليوم اللي ظلمتك فيه... يبقى قليل. نزلت دموعها.
لكنها قامت بسرعة وقالت للمسعفين
يلا... بسرعة.
بعد ساعات...الدكتور خرج من أوضة العمليات.
الحمد لله... الإصابة بسيطة، لكنه محتاج راحة.
دخلت عليه بعد ما الكل خرج كان صاحي.
أول ما شافها، حاول يقوم.
لكنها قالت ببرود متتحركش.
فضل ساكت وبعد لحظات، مد إيده ناحيتها... لكنه رجعها قبل ما يلمسها.
وقال بصوت مكسور أنا معنديش حق حتى ألمس إيدك.
بصت له لأول مرة من غير غضب...
لكن كان في وجع كبير.
قال عارفة أكتر حاجة قتلتني؟
سكتت. إن آخر كلمة قولتيها قبل ما تمشي كانت... عشان أنا يتيمة وماليش ضهر.
دموعه نزلت قدامها لأول مرة.
وأقسم بالله... من اليوم ده وأنا كاره نفسي.
نيلي غمضت عينيها ثم قالت بهدوء
أنا سامحتك بيني وبين ربنا... عشان قلبي يرتاح.
اتسعت

عينيه بالأمل لكنها كملت
إنما أنسى؟... لا وأرجع معاك؟... مستحيل. خرجت من الأوضة.
وسابت سليم يبكي... لأنه فهم أخيرًا أن أصعب شيء في الدنيا ليس أن تخسر من تحب... بل أن يظل حيًا أمامك، وأنت تعرف أنك أنت من كسرت قلبه بيديك.
مر شهر... نيلي بدأت تستقر في شغلها، وكل اللي يعرفها هناك يشهد بأخلاقها.
أما سليم... رجع الصعيد، لكن ما رجعش سليم اللي الكل يعرفه.
بقى قليل الكلام لا بيضحك، ولا بيقعد في المضيفة، ولا حتى بينزل الغيط زي زمان.
وفي يوم... كان جده قاعد مع محامي العيلة.
دخل سليم بهدوء حط قدامه ملف كبير.
وقال
انقلوا كل نصيبي من أرض أبويا باسم نيلي. رفع الجد راسه بصدمة.
إنت اتجننت؟ رد سليم بهدوء
ده حقها... وأنا آخر واحد ليه حق يمسك حاجة تخصها.
صرخت أمه عشان بنت عمتك تضيع تعب أبوك؟
لف يبصلها لأول مرة.
وقال بجمود
اللي ضاع يوم ما اتمدت إيدي عليها... أكبر من أي أرض.
بعد يومين...
وصل لنيلي جواب رسمي من مكتب المحامي.
افتكرته خاص بالشغل.
لكن أول ما فتحته... اتفاجئت بعقود أراضي، وبيت أبوها، وحسابات البنك.
وفي آخر الملف... ورقة واحدة بخط سليم.
ماكانش فيها غير سطرين.
حقك رجعلك، سواء سامحتيني أو لأ. أما حقي أنا... فأنا ضيعته بإيدي
يوم ما كسرت قلبك.
قريت الورقة أكتر من مرة.
ولأول مرة من يوم ما سابت الصعيد...
دموعها نزلت عليه... مش منه.
قفلت الملف وهمست لنفسها
ليه... عرفت قيمتي بعد ما خسرتني؟
وفي نفس اللحظة...
كان سليم واقف قدام قبر أبوها في الصعيد.
حط إيده على شاهد القبر وقال بصوت مكسور
سامحني يا عمي... وعدتك أصونها، وأنا كنت أول واحد وجعها.
ولأول مرة... بقلم ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد. 
بكى من غير ما يكون حواليه حد
الورقة اللي وصلت لنيلي كانت بمثابة إغلاق لصفحة طويلة من الوجع. العقود والأراضي وكل المكتوب ما قدرش يرجع لها الأيام اللي كسرت فيها، لكنه أكد لها حاجة واحدة إنها قدرت تعيش وتثبت نفسها لوحدها، بعيداً عن سيطرة الدوار وحروب العيلة.
قررت نيلي إنها تقفل الملف نهائياً. بعثت توكيل رسمي للمحامي بترفض فيه كل الأملاك، وبتتنازل بيها لصالح دار الأيتام اللي بتشتغل فيها، عشان الفلوس دي تتحول لخير يحمي أطفال تانيين ملهمش ضهر، وكتبت رسالة قصيرة أخيرة لسليم مع التوكيل
الحق مش فلوس وأراضي يا سليم... الحق كرامة إنسانة اتكسرت وما بتتصلحش بالتعويض. عيش حياتك، واعتبرني ما دخلت أصلاً بيتكم.
حياة جديدة بعيدة عن شبح الهواري
في القاهرة،
نيلي استمرت في طريقها بخطوات ثابتة وقوية. كملت شغلها، وبدأت تدرس إدارة أعمال بجانب شغلها عشان تطور من نفسها ومن دار الأيتام اللي بقت جزء من عيلتها الحقيقية.
الناس في الدار بقوا بينادولها ماما نيلي بجد، مش كلقب عابر، وبقتابتسامتها تملى المكان. ولأول مرة تحس بطعم الاستقلال الحقيقي مفيش حد بيراقبها، ومفيش حد بيملي عليها تعمل إيه وما تعملش إيه، ومفيش نظرة شك ولا ذل.
في دوار الهواري، الصدمة كانت كبيرة لما وصلهم رد نيلي وتنازلها عن كل حاجة للفقراء. سليم قعد في أوضته ساعات طويلة، باصص لرسالتها الأخيرة اللي ما فيهاش أي عتاب... بس فيها أقسى أنواع التجاهل النسيان التام.
فهم أخيراً إن حب التملك والسيطرة اللي تربى عليه في الصعيد هو اللي خلاه يخسر أهم إنسانة دخلت قلبه. مابقاش سليم القوي المتسلط، بقى مجرد راجل غارق في ندبه، بيحاول يعيش بقية عمره في صمت وتكفير عن ذنبه، وهو باصص لصورته القديمة مع عمه وهو بيوصيه عليها، وبيهمس لنفسه بوجع
ضيعت الأمانة... واستاهلت كل اللي جرى لي.
القصة خلصت، ومش كل النهايات لازم تجمع البطلين مع بعض؛ أحياناً بيكون الانتصار الحقيقي هو إن الشخص المكسور يلاقي نفسه، ويكسر قيود الذل ويعيش بكرامته
مرفوع الراس.
بقلم ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

 

تم نسخ الرابط