يتيمة الصعيد ل مايا خالد
كان ضغط على الدركسيون لدرجة إن مفاصله ابيضت.
كل اللي بيرن في ودانه صوتها...
هو عشان أنا يتيمة وماليش ضهر تعملوا فيا كده؟
ضرب الدركسيون بإيده وهو بيصرخ استحملي يا نيلي... بالله عليكي استحملي.
وصل المحطة نزل يجري كالمجنون نيلي!
لف بين الناس يبص في كل وش.
يسأل كل واحد يقابله شوفتوا بنت لابسة عباية سودة؟ ولا حد رد عليه.
وفجأة لمح آخر عربية في القطر وهي بتبعد وقف مكانه..
كأن الدنيا اتسحبت من تحت رجليه.
ركبته خانته، ونزل على الأرض.
لأول مرة في حياته... بكى.
دموع نزلت من راجل عمره ما عرف يعني إيه ضعف بعد أسبوعين... الصعيد كله كان بيتكلم سليم الهواري قلب الدنيا دور عليها في كل المحافظات علق صورتها في كل حتة ووعد بمكافأة كبيرة لأي حد يوصله ليها. لكن... ولا أثر كل يوم كان يدخل أوضتها يقعد على سريرها يبص للهدوم اللي سابتها ولأول مرة يكتشف إنها كانت عايشة بينهم في صمت.
لقي كشكول قديم تحت المخدة فتحه...
أول صفحة مكتوب فيها
أنا بخاف من سليم... لكن لما بيكون بعيد، بحس البيت كله مخيف. يمكن هو بيكرهني... بس وجوده كان بيطمني.
قلب الصفحة النهارده مرضت، ومحدش سأل عليا... إلا سليم. حط العلاج قدام الباب ومشي. يمكن عملها شفقة... بس أنا فرحت.
الصفحة اللي بعدها خلت نفسه يتقطع.
أنا بحبه...
وقع الكشكول من إيده وسند راسه على الحيطة همس بصوت مخنوق
وأنا يا غبية... كنت بقسى عليكي عشان كل ما أشوف حد يبصلك، النار كانت بتاكلني من جوا. كنت بخاف أحبك... وأخسرك.
في اللحظة دي دخل الغفير بسرعة سليم بيه!
رفع راسه بسرعة في إيه؟ في واحد من القاهرة بيقول إنه شاف صورة الآنسة نيلي... وبيقول إنها شغالة في مكتبة كبيرة باسم مختلف. وقف سليم في ثانية.
وعينيه رجع فيها الأمل بعد ما كانت ميتة.
قال بحسم جهز العربية.
سأله الغفير رايح فين؟
ابتسم لأول مرة من أسبوعين... ابتسامة كلها وجع وقال
رايح أرجع البنت اللي كسرت قلبها بإيدي... حتى لو فضلت العمر كله أطلب منها السماح.
وصل سليم القاهرة بعد رحلة ما نامش فيها دقيقة.
كان معاه صورة قديمة لنيلي، وكل ما يقابل حد يوريهاله.
شوفت البنت دي؟ مرة يقولوا لأ...
ومرة يقولوا يمكن.
لحد ما وصل لمكتبة صغيرة في حي هادي.
دخل بعينين بيدوروا عليها في كل ركن.
لكنها ما كانتش هناك.
صاحب المكتبة بص للصورة وقال
أيوه... كانت شغالة عندي.
اتعلق قلب سليم بالكلمة فين؟
مشيت من تلات أيام
سليم حس إن الدنيا بتعيد نفس اللعبة.
راحت فين؟
الراجل هز راسه ما قالتش... كانت بنت محترمة، في حالها،
في نفس الوقت... كانت نيلي قاعدة وسط الأطفال في دار الأيتام، بتلعب معاهم وتضحك.
من يوم ما سابت الصعيد، قررت تبدأ حياة جديدة بدون دوار... بدون ميراث... وبدون سليم.
طفلة صغيرة جريت عليها وحضنتها
ماما نيلي...
ابتسمت وهي تشيلها.
أنا مش ماما يا حبيبتي البنت ردت بعفوية بس إنتِ بتحضنينا زي الماما.
الكلمة كسرت جزءًا من قلبها... لكنها ابتسمت.
بعد ساعات...
وصل سليم لدار الأيتام.
أول ما دخل، لمحها من بعيد كانت لابسة إسدال بسيط، وضاحكة مع الأطفال وقف مكانه.
أول مرة يشوفها مرتاحة وأول مرة يحس إنه ما يستحقش يقرب منها لكن قلبه سبق رجليه نيلي...
أول ما سمعت صوته... اتجمدت.
الضحكة اختفت من على وشها لفت ببطء ولما شافته...
وشها شحب أما الأطفال فجروا بعيد وهم حاسين إن في حاجة غلط.
سليم قرب خطوة الحمد لله إنك بخير.
نيلي رجعت خطوة لورا وقالت بهدوء وجع أكتر من الصريخ مين حضرتك؟
الكلمة نزلت عليه كأنها صفعة.
نيلي... أنا سليم.
ابتسمت بسخرية عارفة اسمك... بس حضرتك بالنسبة لي بقيت شخص غريب.
بلع ريقه بصعوبة أنا جيت أعتذر.
هزت راسها الاعتذار بيرجع الكرامة اللي اتكسرت قدام الناس؟
سكت فهتفت بيرجع اليوم اللي حسيت فيه إني يتيمة بجد؟
سكت أكتر فقالت بيرجع
كانت كل كلمة بتخرج منها، كأنها بتحاسبه على كل لحظة عاشتها.
قال بصوت مبحوح أنا ظلمتك.
ردت من غير تردد عرفت وأنا ندمان.
وده هيفيدني بإيه؟ رفع عينه ليها لأول مرة
هفضل أصلح غلطتي لحد آخر يوم في عمري.
ضحكت ضحكة حزينة وأنا هفضل فاكرة إن أول مرة احتاجت فيها يتيمة لظهر... ظهرها هو اللي كسرها.
لفت تمشي لكن قبل ما تخرج، وقفت من غير ما تبصله وقالت
لو كنت جيت تدور عليا عشان وصية أبويا... فقد انتهت الوصية يوم ما صدقت الناس عليا.
ثم كملت طريقها... وسابت سليم واقف مكانه.
لأول مرة يفهم إن الوصول إليها كان أسهل ألف مرة...
من استعادة قلبها مر شهر...وسليم ما رجعش الصعيد.
استأجر شقة صغيرة قريبة من دار الأيتام، وكل يوم يروح من بعيد يقف قدام الباب...
يشوف نيلي وهي داخلة أو خارجة.
ولا مرة قرب منها ولا مرة ناداها.
كان كل اللي يعمله إنه يتأكد إنها بخير ويمشي في يوم، كانت نيلي راجعة من السوق، شايلة أكياس تقيلة.
تعمدت تمشي بسرعة لما لمحته واقف بعيد لكن فجأة...
عجلة نقل فقدت فراملها، واندفعت ناحية طفل صغير كان بيجري في الشارع.
الناس صرخت الولد...! نيلي رمت الأكياس وجريت عليه.
وفي نفس اللحظة، سليم اندفع بكل قوته.
شد الطفل بعيد، لكن العربية خبطته هو، واترمى على الأرض.
الدم بدأ ينزل من جبينه والناس جريت عليه أما نيلي... وقفت مكانها، جسمها كله بيرتعش