مليكة ملك
أي حاجة عشان متاخديش الورث اللي اتكتب بأسمك.
بعد ساعات...
كان مازن واقف قدام أوضة العناية المركزة في المستشفى.
الشاهد لسه عايش.
لكن حالته خطيرة.
وقف يبص من وراء الإزاز.
وكل شكوكه بدأت تتحول ليقين.
القضية دي متدبرة.
ومليكة غالبًا بريئة.
لكن المشكلة إنه لسه محتاج دليل.
دليل ينسف القضية كلها.
في نفس الليلة...
خرجت مليكة من النيابة بضمان مؤقت.
وأول ما خرجت لقت الدنيا ضلمة والشارع شبه فاضي.
كانت ماشية ناحية العربية اللي مستنياها.
وفجأة...
سمعت صوت خطوات وراها.
اتلفتت.
ملقتش حد.
كملت مشي.
لكن الإحساس بالخطر كان بيزيد.
وفجأة ظهر راجل من الضلمة.
ثم التاني.
ثم التالت.
اتسعت عينيها برعب.
ورجعت خطوة لورا.
إنتوا مين؟
لكن محدش رد.
بدأت تجري.
وقلبها بيدق بجنون.
وهم بيجروا وراها.
الحقوني!
صرخت بأعلى صوتها.
لكن الشارع كان شبه فاضي.
وفجأة...
سمعت صوت فرامل عربية.
ثم صوت مازن وهو بيصرخ
مليكة!
رفعت رأسها بسرعة.
وشافته نازل من عربيته.
وفي ثانية واحدة كان واقف قدامها.
حاجز بينها وبين الرجالة.
ابعدوا عنها.
الرجالة بصوا لبعض.
ثم واحد منهم طلع مطواة.
في اللحظة دي قلب مليكة وقف.
لكن مازن متراجعش.
وقف قدامها بثبات.
لحد ما بدأت أصوات الناس تتجمع حواليهم.
فالرجالة هربوا بسرعة.
فضلت مليكة واقفة مكانها.
بتترعش.
وجسمها كله بيهتز من الخوف.
أما مازن فلف ناحيتها بسرعة.
إنتِ كويسة؟
أول ما سمعت صوته...
انهارت.
وعيطت.
عيطت زي ما معيطتش من سنين.
وفجأة لقت نفسها بتتمسك في قميصه.
وكأنها بتتشبث بالأمان الوحيد اللي فاضل ليها.
أما مازن.
فحاول يقاوم.
حاول يفضل بعيد.
حاول يفتكر وجعه.
لكن أول ما حس برجفتها...
وهمس
خلاص... أنا هنا.
الجملة خرجت تلقائي.
من غير تفكير.
ومن غير حواجز.
فرفعت مليكة عينيها ليه.
وكانت أول مرة يقفوا قريب من بعض بالشكل ده من سنين.
قالت بصوت متقطع
كنت فاكرة إنك بتكرهني.
تنهد ببطء.
كنت فاكر إنك خنتيني.
نزلت دموعها.
عمري ما خنتك.
المرة دي...
صدقها.
وشاف الحقيقة في عينيها.
الحقيقة اللي كانت مستخبية ورا الدموع والوجع.
في اليوم التالي...
وصل تقرير جديد لمازن.
تقرير غير كل حاجة.
لأنه كشف تحويلات مالية ضخمة.
ومستندات مزورة.
وتوقيعات متلاعب فيها.
وكلها بتشير لشخص واحد.
شقيق زوج مليكة.
الشخص اللي كان هيرث ملايين لو مليكة اتحبست واتشوهت سمعتها.
وقف مازن وهو بيقلب الأوراق.
وقلبه بيدق بقوة.
أخيرًا...
الدليل اللي كان بيدور عليه.
لكن قبل ما يتحرك...
رن تليفونه.
رد بسرعة.
وفجأة اتغير لون وشه.
إيه؟!
جاءه صوت مذعور من الطرف الآخر
يا فندم... الدكتورة مليكة اتخطفت.
سقط الملف من بين إيديه.
وتجمد الدم في عروقه.
ثم قبض على الهاتف بقوة.
ولأول مرة من سنين طويلة...
اختفى وكيل النيابة الهادئ.
وظهر الرجل الذي ما زال يحبها بجنون.
وقال بصوت مرعب
أقسم بالله... لو حد لمسها هخليه يتمنى الموت قبل ما يشوفه.
انطلق
مازن من مكتبه كالإعصار.
في دقائق كانت قوات الشرطة بتتحرك في كل اتجاه.
كل كاميرات المراقبة القريبة اتراجعت.
وكل المخارج اتقفلت.
لكن بالنسبة لمازن...
الموضوع مكانش مجرد قضية.
الموضوع كان مليكة.
البنت اللي حبها من أول ما عرف معنى الحب.
والبنت اللي اكتشف متأخر جدًا إنه ظلمها.
بعد ساعات من البحث...
وصل اتصال مهم.
أحد المخبرين قدر يحدد مكانها.
مخزن قديم على أطراف المدينة.
ركب مازن العربية بنفسه.
ورفض يستنى أي حد.
طوال الطريق كانت صورة مليكة قدامه.
وهي صغيرة في البلكونة.
وهي في الجامعة.
وهي بتضحك.
وهي بتعيط في مكتبه.
وهي بتقوله
عمري ما خنتك.
وأخيرًا فهم.
إن أكتر حد خان حبهم...
كان الظروف.
في نفس الوقت...
كانت مليكة مربوطة على كرسي داخل المخزن.
ووشها شاحب من الخوف والتعب.
قدامها وقف شقيق زوجها.
بيبتسم ابتسامة باردة.
كنتِ هتضيعي كل حاجة.
بصتله بكره.
الفلوس دي مش حقك.
ضحك بسخرية.
ومش حقك إنتِ كمان.
دي وصية أخوك.
اختفت الابتسامة من على وشه.
ثم اقترب منها.
لو كنتِ وافقتِ تتنازلي من الأول مكانش حصل كل ده.
مستحيل.
رفع إيده بغضب.
لكن قبل ما يلمسها...
دوى صوت قوي في المكان.
الشرطة! محدش يتحرك!
اتسعت عينا الرجل.
وفي اللحظة التالية اقتحمت القوات المخزن.
بدأت حالة من الفوضى.
محاولة هروب.
وصراخ.
وأوامر متلاحقة.
لكن وسط كل ده...
كان مازن بيدور عليها.
لحد ما شافها.
مربوطة على الكرسي.
وعينيها مليانة دموع.
مليكة!
رفعت رأسها بسرعة.
ولأول مرة من بداية الكابوس...
ابتسمت.
مازن.
في ثوانٍ كان عندها.
فك القيود بسرعة.
وأول ما وقفت...
وبكت.
بكت على سنين الوجع.
وسنين الفراق.
وسنين الظلم.
بعد أيام...
تم القبض على شقيق زوجها وكل المتورطين معاه.
والشاهد نجا وأدلى بأقواله.
والتحقيقات أثبتت براءة مليكة بالكامل.
بل وكشفت شبكة كاملة من التزوير والاستيلاء على الميراث.
أما اسمها...
فاتشال من القضية نهائيًا.
ورجعت حرة.
بريئة.
كما كانت دائمًا.
وفي مساء هادئ...
كانت مليكة واقفة في البلكونة القديمة في بيت أهلها.
نفس البلكونة اللي بدأت منها حكايتهم.
سمعت خطوات وراها.
ولفت.
فوجدت مازن.
واقف قدامها.
ببدلته الرسمية.
وفي إيده علبة صغيرة.
اتسعت عيناها.
أما هو فابتسم.
ابتسامة لأول مرة تشوفها من سنين.
تعرفي؟
ابتلعت ريقها بصعوبة.
إيه؟
طول تلات سنين كنت فاكر إنك السبب في وجعي.
سكت لحظة.
ثم أكمل
واكتشفت إن أكتر حد ظلمك... كنت أنا.
نزلت دموعها فورًا.
وهزت رأسها.
لا يا مازن.
أيوة.
اقترب منها خطوة.
سامحيني.
بكت وهي تضحك في نفس الوقت.
لو كنت زعلان منك كنت سامحتك.
ابتسم.
يعني إيه؟
يعني أنا عمري ما بطلت أحبك.
لثوانٍ...
نسي مازن الكلام كله.
نسي الدنيا.
نسي القضية.
نسي السنين.
ثم فتح العلبة الصغيرة.
وظهر خاتم بسيط وأنيق.
ونزل على ركبة واحدة.
وسط ذهولها.
وقال
الدكتورة مليكة سامح الشافعي...
بعد كل اللي حصل...
وبعد ما ضيعنا سنين كتير...
تقبلي تتجوزي وكيل النيابة مازن السيوفي؟
انفجرت في البكاء.
ووضعت يدها على فمها.
ثم هزت رأسها بسرعة.
أوافق.
قام فورًا.
وألبسها الخاتم.
وفي اللحظة دي...
تعالت الزغاريد من خلفهم.
فاتلفتوا الاتنين.
ليلاقوا أهلهم واقفين في الجنينة.
وأم مازن أول واحدة بتعيط.
أما والد مليكة...
فكان واقف مطأطئ رأسه بندم.
اقترب منهم.
ونظر لابنته.
سامحيني يا بنتي.
مليكة وهي تبكي.
لأنها أخيرًا...
قررت تسيب الماضي وراها.
وبعد ستة أشهر...
كانت مليكة واقفة بفستان الزفاف الأبيض.
ومازن
يبصلها بنفس النظرة اللي كان بيبصلها بيها أيام الجامعة.
لكن المرة دي...
مفيش فراق.
مفيش أسرار.
مفيش ظلم.
فقط حب انتظر سنوات طويلة...
حتى يحصل على حكمه الأخير.
حكم بالبراءة لمليكة...
وحكم بالمؤبد على قلب مازن أن يعشقها إلى آخر العمر.... بقلمي ملك إبراهيم.
تمت.