مليكة ملك
ملك إبراهيم
من يوم ما بقى وكيل نيابة وهو اتعلم يفصل قلبه عن شغله، لكن القضية دي تحديدًا كانت قضية حياته.. المتهمة اللي هيحقق معاها دلوقتي تبقى حبيبته اللي سابته زمان.
خبط خفيف على الباب.
العسكري المتهمة برا يا فندم.
رفع عينه من الملف وقال بجمود دخلوها.
اتفتح الباب ببطء...
وفي اللحظة دي الزمن وقف.
بنت واقفة عند الباب.
شعرها مبعثر.
ملابسها ممزقة من عند الكم.
وشها شاحب وعينيها حمرا من كتر العياط.
لكن رغم كل ده...
عرفها.
مليكة!!!
مليكة... حب عمره كله.
مليكة اللي اختفت من حياته من تلات سنين.
مليكة اللي سابته واتجوزت واحد غيره.
مليكة اللي كان بيحلم يتجوزها.
حس إن الأرض بتتسحب من تحت رجليه.
أما هي فكانت واقفة تبصله بذهول.
شفايفها ارتعشت مازن...؟
صوته خرج خشن سيب المتهمة واخرج انت يا عسكري .
اتجمدت مكانها.
الكلمة نزلت عليها زي السكينة.
المتهمة.
بعد ما كان بيناديها حبيبتي في يوم من الأيام.
خفضت عينيها للأرض.
أما مازن فكان بيبصلها من فوق لتحت.
وفجأة لاحظ هدومها الممزقة.
ونظرات العساكر اللي واقفين برا.
فوقف بسرعة.
خلع جاكيت البدلة بتاعه.
قام من على المكتب ووقف قدامها.
ومد الجاكيت ناحيتها البسي ده.
رفعت عينيها ليه.
لثواني نسيت القضية كلها.
ونسيت المكان.
ونسيت العالم.
كل اللي شافته هو نفس الشاب اللي كانت بتحبه.
لكن بعينين أقسى.
وأبرد.
أخدت الجاكيت بإيد مرتعشة.
ولبسته.
ورجعت تبصله.
شكراً.
رجع لمكانه بسرعة وكأنه ندم إنه عمل كده.
وقعد على الكرسي.
الاسم؟
بصتله بعدم تصديق إنت بجد بتسأل؟
رفع عينه ليها ببرود متعمد.
هنا أنا وكيل النيابة... وأنتِ متهمة.
بلعت
مليكة سامح الشافعي.
كتب الاسم.
لكن إيده كانت بتترعش.
رغم إنه حاول يخفي ده.
السن؟
سبعة وعشرين سنة.
المهنة؟
دكتورة.
رفع عينه ليها.
أول مرة من بداية التحقيق.
دكتورة؟
هزت رأسها.
أيوة.
اتقبض قلبه.
افتكر أيام الجامعة.
لما كانت بتحلم تبقى دكتورة كبيرة.
ولما كانت بتقعد معاه بالساعات تتكلم عن مستقبلهم.
مستقبلهم...
الكلمة نفسها وجعته.
فقال بحدة اتقبض عليكي في بيت مشبوه.
وأنا مظلومة.
كل المتهمين بيقولوا كده.
اتسعت عينيها بصدمة.
حتى إنت مش مصدقني؟
ضحك بسخرية موجعة.
وليه أصدقك؟
سكتت.
أما هو فمال للأمام وقال
زي ما صدقتك زمان؟
الكلمة أصابتها في قلبها مباشرة.
بدأت دموعها تنزل.
مازن...
جاوبي على السؤال.
أنا مظلومة.
إزاي وصلتي للمكان ده؟
سكتت للحظة.
وبعدين قالت بصوت مكسور
اتنصب عليا.
من مين؟
أهل جوزي.
رفع رأسه فجأة.
جوزك؟
أغمضت عينيها.
اللي كان جوزي.
أول مرة يسمع الكلمة.
كان جوزها!
الراجل الغني اللي اختارته واتخلت عن حبهم عشان فلوسه .
حاجة غريبة اتحركت جواه.. وبص لها بغضب.
اتكلم مليكة ببكاء مازن.. انت مش عارف ايه اللي حصل معايا زمان.. اهلي هما اللي اجبروني اتجوزه.
اتكلم بغضب خلينا في القضية.. انتي دلوقتي متهمة.
وقفت تبكي قدامه وهو مش قادر يشوفها في الحالة دي.
فسأل بجمود
احكي من الأول.
مسحت دموعها.
وبدأت تحكي.
عن سفرها.
وزواجها.
وموت زوجها.
والثروة اللي سابها ليها.
وإزاي أهل زوجها بيحاولوا ياخدوا الورث.
وإزاي اتخدرت.
وصحيت لقت نفسها في البيت المشبوه.
وإزاي الشرطة قبضت عليها.
كان بيسمع.
لكن جوة عقله معركة شرسة.
جزء منه شايف إنها بريئة.
وجزء تاني فاكر
فاكر دموعه.
فاكر وجعه.
فاكر إنه فضل سنين يحاول ينساها.
ولما أخيرًا نسيها...
رجعت.
ورجعت متهمة.
انتهت من كلامها.
وساد الصمت.
رفعت عينيها ليه.
صدقني يا مازن... أنا معملتش حاجة.
بصلها طويلًا.
قلبه كان بيصرخ
ساعدها.
أما عقله فكان بيقول
خليها تدوق نفس الوجع اللي دوقتهولك.
قبض على القلم بقوة.
وقال بصوت جامد
هنعرف الحقيقة.
ثم ضغط على الجرس.
دخل العسكري.
فقال مازن من غير ما يبصلها
رجعوها الحجز مؤقتًا.
اتجمدت مكانها.
مازن!
لأول مرة يرفع عينه مباشرة لعينيها.
كانت مليانة دموع.
أما عينيه فكانت مليانة نار.
هنا اسمي وكيل النيابة مازن السيوفي.
اتكسرت نظرتها.
والعسكري أخدها ناحية الباب.
لكن قبل ما تخرج...
لفت تبصله مرة أخيرة.
وهمست بصوت مبحوح
أنا عمري ما خنتك.
اتقفل الباب.
وسابت الجملة معلقة في الهواء.
أما مازن ففضل قاعد مكانه.
مصدوم.
لأن لأول مرة...
بدأ يشك إن الحقيقة اللي عاش مقتنع بيها تلات سنين...
يمكن تكون كذبة.
فضل مازن قاعد مكانه بعد ما الباب اتقفل ورا مليكة.
نفس الجملة كانت بتتردد في ودانه.
أنا عمري ما خنتك.
غمض عينيه بعصبية.
إزاي؟
إزاي بعد كل اللي حصل تقول الجملة دي؟
رمى القلم على المكتب وقام وقف قدام الشباك.
لكن بدل ما يشوف الشارع...
شاف الماضي.
شاف بنت صغيرة ساكنة في البيت اللي قصادهم.
بنت بشعر طويل وضحكة مالية المكان.
كانت دايمًا بتقف في البلكونة تذاكر.
وهو يتعمد يطلع في نفس الوقت.
في الأول كانت مجرد جارة.
بعدها بقت صاحبة.
وبعدين...
بقت كل حياته.
رواية كاملة للكاتبة ملك إبراهيم
رواية كاملة للكاتبة ملك إبراهيم
من سبع
كانت مليكة قاعدة في جنينة الجامعة بتراجع محاضراتها.
ومازن قاعد جنبها.
هو إنتي ناوية تذاكري لحد الفجر؟
ضحكت وهي بتقفل الكتاب.
نفسي أبقى دكتورة كبيرة؟
ابتسم.
وأنا عايز أبقى وكيل نيابة.
بصتله بمشاكسة.
يعني لما تبقى وكيل نيابة هتحبسني؟
لو عملتي جريمة.
ولو سرقت قلبك؟
ضحك رغمًا عنه.
دي أكبر جريمة.
احمرت وشها.
وخفضت عينيها.
في اللحظة دي كان متأكد إن مفيش قوة في الدنيا ممكن تبعدهم عن بعض.
كانوا بيرسموا مستقبل كامل.
بيت.
وجواز.
وأطفال.
وحياة طويلة سوا.
لكن الحياة كان عندها رأي تاني.
بعد سنة...
دخل البيت يومها لقى أمه بتبصله بتردد.
مازن...
نعم يا أمي؟
أهل مليكة وافقوا على عريس متقدم لها.
وقف مكانه.
حاسس إنه مسمعش كويس.
نعم؟
راجل غني... عايش برا مصر.
حس إن قلبه وقع.
وهي وافقت؟
سكتت أمه.
والصمت كان كفاية.
خرج من البيت وقتها زي المجنون.
وجري لحد بيتهم.
كان لازم يسمع منها.
منها هي.
مش من حد تاني.
ولما فتحتله الباب...
كان أول سؤال سأله
وافقتي؟
بصتله بدموع.
وسكتت.
ردي عليا يا مليكة.
بابا موافق.
وأنا بسألك إنتي.
بدأت دموعها تنزل.
مقدرش أرفض.
ضحك وقتها ضحكة موجوعة.
يعني وافقتي.
مازن اسمعني...
أسمع إيه؟
أنا مضغوطة.
مضغوطة لدرجة تبيعيني؟
لا...
لدرجة تختاري الفلوس؟
لا!
صرخت بيها.
لكن وقتها كان خلاص.
الغضب عماه.
والوجع كان أكبر من إنه يسمع.
قال كلمته الأخيرة وسابها.
مبروك يا دكتورة.
ومن يومها...
اختفت.
سافرت.
واختفت من حياته كلها.
فتح مازن عينيه فجأة.
ورجع للحاضر.
رجع لمكتبه.
رجع للقضية.
لكن حاجة كانت غلط.
طول السنين اللي فاتت كان مقتنع إنها باعت الحب واختارت الفلوس.
إنما لما شافها النهارده...
ملامحها مكانتش ملامح واحدة كسبانة.
كانت ملامح إنسانة مكسورة.
مطحونة.
متبهدلة.
كأنها خارجة من حرب.
قعد على الكرسي وفتح ملف القضية تاني.
بدأ يقلب الأوراق
بعناية أكبر.
وأول مرة يركز فعلًا.
محضر القبض.
أقوال القوة.
توقيت البلاغ.
اسم صاحب