قابلت طليقي
طليقي الملياردير قعد جنبي في الطيارة مخصوص علشان يذلني ويفكرني بكل اللي خسرته بعد الطلاق لكنه ماكنش يعرف إن أول ما هننزل القاهرة، 3 أطفال صغيرين هيجروا ناحيتي من عربية فخمة وينادوني ماما! وساعتها الحقيقة اللي غابت عنه 5 سنين هتدمر كل اللي كان مصدقه.
اسمي سارة عزت.
وآخر شخص كنت متوقعة أشوفه الصبح ده كان كريم الجندي.
أول ما دخل كابينة الدرجة الأولى في الطيارة، عرفته فورًا.
رغم إن 5 سنين عدوا على طلاقنا
في ناس بتسيب جروح الزمن ما بيعرفش يمحيها بالكامل.
عيوننا اتقابلت لثانية.
وبعدين وشه اتغير.
وقال ببرود
أكيد بتهزري.
قفلت الكتاب اللي في إيدي.
وقلت
صدقني يا كريم، لو كنت أعرف إنك على الرحلة دي، كنت سافرت بالعربية.
كام راكب بصوا ناحيتنا.
وكان واضح إنه مستمتع بالاهتمام.
المضيفة بصت في التذكرة وقالت
أستاذ كريم، مقعد حضرتك
قاطعها وقال
أنا عارف مقعدي.
ولدهشتي
راح قعد جنبي مباشرة.
رغم إن كان فيه كذا كرسي فاضي.
بصيت له وقلت
في أماكن تانية كتير.
قال
عارف.
يبقى ليه هنا؟
ابتسامة باردة ظهرت على شفايفه.
وقال
5 سنين من السكوت. قولت يمكن نلحق نتكلم شوية.
لفيت وشي ناحية الشباك.
وقلت
إنت دايمًا كنت فاكر القسوة ثقة بالنفس.
رد فورًا
وإنتِ دايمًا كنتِ فاكرة الأسرار براءة.
بطني اتقبضت.
نفس الاتهام.
نفس الجملة اللي دمرت جوازنا.
قبل 5 سنين
أنا وكريم كنا من أشهر الأزواج في مصر.
هو مؤسس شركة طاقة ضخمة وملياردير معروف.
وأنا باحثة بيئية شاركت في تطوير أغلب التكنولوجيا اللي قامت عليها شركته.
كنا في كل مكان.
مجلات.
حفلات خيرية.
مؤتمرات.
والناس كلها كانت بتقول
لحد الليلة اللي كل حاجة انهارت فيها.
كريم شاف شوية رسائل على موبايلي.
رسائل فهمها غلط.
ورسائل ما أخدتش فرصة أشرحها أصلًا.
لسه فاكرة الليلة دي.
واقفة في البنتهاوس بتاعنا.
وأضواء القاهرة باينة من الشبابيك.
وهو بيزعق
مين الراجل ده؟!
قلت
مافيش أي خيانة.
رد بعصبية
أمال الرسائل دي معناها إيه؟!
لكنه ما كانش عايز تفسير.
كان عايز إدانة.
وخلاص.
بعدها بشهور دخل المحامين.
والثقة اختفت.
وجوازنا مات.
ودلوقتي
بعد 5 سنين
كنا قاعدين جنب بعض على ارتفاع آلاف الأمتار.
فجأة قال
إنتِ اختفيتي.
قلت بهدوء
كملت حياتي.
من غير ما تاخدي جنيه واحد مني.
أنا ما كنتش عايزة فلوسك.
الإجابة ضايقته.
وكان واضح.
وبقية الرحلة عدت بين صمت ثقيل وجراح قديمة.
ولا واحد فينا اعترف قد إيه لسه متألم.
أخيرًا الطيارة وصلت القاهرة.
أخدت شنطتي ونزلت.
وحسيت إنه لسه بيتابعني بعينيه.
برا المطار
عربيات فخمة كانت واقفة على الرصيف.
مديرين.
سواقين.
حراس.
العالم اللي كريم عايش فيه.
وفجأة
عربية بنتلي سودا وقفت.
الباب الخلفي اتفتح بسرعة.
وثلاث أطفال صغيرين نطوا منها.
ماماااااا!
الصوت دوّى في المكان كله.
قبل ما ألحق أتحرك
كانوا بيجروا عليّا.
واحد حضن رجلي.
والتاني مسك إيدي.
وأصغرهم تقريبًا وقعني من قوة الحضن.
ضحكت وسط دموع نزلت من غير ما أحس.
وقلت
وحشتوني يا حبايب قلبي.
وبعدين رفعت عيني.
لقيت كريم واقف مكانه.
متحجر.
وشه بقى أبيض تمامًا.
لأن الأطفال التلاتة كان عندهم نفس لون عينيّا.
لكن
ملامحهم كانت ملامحه هو.
نفس الشعر الغامق.
نفس الابتسامة.
ونفس ملامح عيلة الجندي اللي
مرّت ثواني طويلة.
ولا حد نطق.
وبعدين كريم أخد خطوة واحدة لقدام.
وصوته خرج بالعافية
سارة
لفيت ناحيته.
ولأول مرة من 5 سنين
شفت خوف حقيقي في عينيه.
لأنه استوعب المستحيل.
الرسائل اللي دمرت جوازنا عمرها ما كانت عن راجل تاني.
ومن الطريقة اللي كان باصص بيها للأطفال
واضح إنه بدأ يفهم أخيرًا إيه الحاجة اللي خسرها فعلًا من 5 سنين.
وقف كريم مكانه كأنه اتضرب بصاعقة.
بص للأطفال.
وبعدين بصلي.
وبعدين رجع يبص للأطفال تاني.
كأن عقله رافض يصدق اللي شايفه.
الولد الكبير كان متعلق في إيدي.
والتوأم الصغيرين بيتخانقوا مين يحضنني أكتر.
واحد منهم قال
ماما، وحشتينا أوي.
والتاني قال
جبتي الهدايا؟
ضحكت ومسحت على شعرهم.
لكن عيني كانت على كريم.
وشه كان شاحب بشكل عمرى ما شفته بيه.
قرب خطوة.
وقال بصوت مبحوح
الأطفال دول
سكت.
كأنه مش قادر يكمل.
وأخيرًا قال
أعمارهم كام؟
جاوبت بهدوء
أربع سنين وتسعة شهور.
في اللحظة دي
عرف.
عرف قبل ما حد يقوله.
لأن تاريخ ميلادهم كان بعد طلاقنا بشهور قليلة.
يعني وقت ما انفصلنا
كنت حامل.
بلع ريقه بصعوبة.
ليه؟
سأل السؤال وهو بيبصلي.
ليه ما قولتيليش؟
ضحكت ضحكة قصيرة كلها وجع قديم.
أقولك إمتى يا كريم؟
أي وقت.
أي وقت؟
هزيت راسي.
يوم ما اتهمتني بالخيانة قدام المحامين؟
سارة
ولا يوم ما رفضت تسمع كلمة واحدة من تفسيري؟
سكت.
وأكملت
يوم الطلاق كنت في أول شهور حملي. حاولت أكلمك أكتر من مرة. لكن إنت كنت قافل كل باب.
الذكريات رجعت فجأة.
رسائلي اللي ما اتردش عليها.
المحامي اللي كان بيكلمني بدل منه.
الأوراق اللي كانت بتوصلني.
والراجل
الأطفال بدأوا يحسوا إن فيه حاجة غلط.
الولد الكبير شد فستاني وقال
ماما، مين الراجل ده؟
بصيت لابني.
وبعدين بصيت لكريم.
كان السؤال اللي هربت منه خمس سنين كاملة.
لكن خلاص.
مبقاش فيه هروب.
نزلت على ركبتي قدام أولادي.
وقلت بهدوء
ده بابا.
الثلاثة بصوا له في نفس اللحظة.
وكريم حرفيًا دموعه نزلت.
أول مرة أشوفه بيعيط.
مش من الغضب.
ولا من الخسارة.
لكن من الندم.
الولد الأوسط قرب منه بحذر.
وقال
بجد؟
كريم ركع قدامه.
وكان بيترعش.
أيوه يا حبيبي.
الصغير بص لأخوه وقال
يعني عندنا بابا؟
الجملة كسرت آخر حاجة جوا كريم.
غطى عينيه بإيده.
وبكى.
قدام الناس.
قدام السواقين.
قدام الحراس.
قدام الدنيا كلها.
بعد أسبوع
طلب يقابلني.
قعدنا في نفس الكافيه اللي كنا بنقعد فيه زمان.
كان شكله متغير.
أهدى.
وأضعف.
وقال
أنا خسرت خمس سنين من عمر ولادي.
بإيدك.
هز رأسه.
عارف.
سكت شوية.
وبعدين طلع ظرف.
مدهولي.
إيه ده؟
كل الرسائل اللي اتهمتك بسببها.
فتحت الظرف.
كانت نفس الرسائل القديمة.
اللي دمرت جوازنا.
قال بصوت مكسور
اكتشفت الحقيقة بعد الطلاق بسنة.
رفعت عيني له.
حقيقة إيه؟
الشخص اللي كان باعت الرسائل ماكانش راجل.
كان دكتورة النساء اللي كانت متابعة حملك.
كان اسمها مختصر بطريقة خلتني أفهم غلط.
نفسي وقف لحظة.
كمل
وأنا ما سألتش. ما استفسرتش. ما وثقتش فيكي.
اخد نفس طويل.
اخترت الشك بدل الحب.
وسكت.
ثم قال
ودفعت التمن.
فعلاً
دفع التمن.
فلوسه زادت.
شركاته كبرت.
اسمه بقى أشهر.
لكن أول خطوة لأولاده ما شافهاش.
أول كلمة ما سمعهاش.
أول يوم مدرسة
كل الذكريات اللي ما تتعوضش راحت.
بعد شهور طويلة
سمحت له يشوفهم.
بالتدريج.
وبحدود.
مش علشانه.
علشانهم.
الأطفال كانوا محتاجين يعرفوا أبوهم.
أما أنا
فما رجعتش له.
الحب اللي اتكسر بسبب عدم الثقة ما بيرجعش بسهولة.
لكن الكراهية كمان اختفت.
وفي يوم من